على الرغم من كونها نصيحة رائعة، فإن فكرة التفكير خارج الصندوق شاعت مؤخراً فيما يشبه الموضة التي يهرع إليها الناس لشيوعها وبريقها. لكننا مع موضتنا هذه المرة إزاء مشكلة (بسيطة؟)، فما نُهرع إليه ليس مجرد قطعة من الثياب نلبسها فتعجب الناس ونفرح لذلك، ولا حتى عمل إبداعي نتلقّاه فنشعر بفائدة عميقة أو نشوة بديعة لمجاراة الآخرين.
التفكير خارج الصندوق رائع إذا استطعنا ممارسته، وهذه هي المعضلة؛ فالصندوق ليس ماديّاً وإنما هو إطار معنوي متخيَّل للطريقة التي اعتاد كلٌّ منّا أن يفكّر من خلالها في قضية بعينها أو على وجه العموم. وعليه فإن الخروج من داخل صناديقنا يتطلّب مهارات وآليات – فكرية ونفسية – أشدّ تعقيداً من تلك التي يحتاجها طفل صغير للقفز فوق جدران ورقية لصندوق حشره فيه أبواه من أجل حمايته؛ فنموّ الطفل جسدياً بمرور الأيام - بموازاة تقنية المحاولة والخطأ الفطرية - كفيل بأن يجعل الأبوين يدهشان لرؤية صغيرهما يتحرّر في غفلة منهما فيخرج من صندوقه ويحبو منتشياً يوماً ما ليس بعيداً كما في خيال الأبوين الطيّبين.
دعاة التفكير خارج الصندوق من المدرِّبين لا يبخلون بإمداد تلاميذهم من الصغار والكبار بالمهارات والتقنيات اللازمة للقيام بالمهمة الإبداعية الفريدة، ولكن ذلك – في أحسن الفروض – بمثابة منح المتدرّبين الحافز وبعض الحيل لكيفية البحث عن (عود) الثقاب اللازم كل مرة لإشعال حطبة التفكير المعتاد وإحالتها إلى جذوة من التفكير خارج المألوف. النتيجة تكون بطبيعة الحال بحسب موهبة كل متدرّب وليست مضمونة في كل الأحوال بحيث يُمنح من يجتاز الدورة – بالامتحان أو مجرد الحضور – صكّاً بالغفران من خطيئة التفكير النمطي.
في الواقع، ليس مطلوباً من مدرّبي التفكير خارج الصندوق أكثر من ذلك، فالدعوة إلى التفكير غير النمطي وتحفيز الناس إليه ومحاولة تزويدهم بأدوات يمكن أن تعينهم على تنفيذ ذلك أمر يستحق التقدير، ولكن تقديس الفكرة نفسها بحيث تغدو هاجساً لكل من يبحث عن حل لمشكلة دهمته هو ما يحتاج إلى الوقوف إزاءه وتأمّله.
البحث إذن عن حل لمشاكلنا خارج صناديق تفكيرنا أمر لا بأس به، ولكن من المهم الانتباه إلى أن كثيراً من حلول المشاكل التي نواجهها تكون داخل صناديقنا بحيث يغدو كل ما نحتاجه هو البحث بذهن منفتح عن الحل داخل الصندوق؛ وإذا لم يكن من غضاضة في تقبّل مفارقة التعبير فإن ما نحتاجه هو التفكير خارج الصندوق للبحث عن الحل الكامن داخل صندوقنا نفسه.
ولكن الصناديق التي في حوزتنا (أو نحن في حوزتها) ليست مجرّد طرائق تفكيرنا التي تأسرنا، فصناديقنا الأكبر والأخطر هي أفكارنا ذاتها التي نعيش فيها؛ وهنا تكمن المعضلة الكبرى، فمن الصعب أن تطلب من أحدهم أن يفكّر بطريقة تخالف ما تمليه عليه أفكاره التي نشأ عليها، فمن شأن ذلك أن يقوده إلى تمرّد محتمل على ما نشأ عليه، وهو ما تقاومه عقولنا الباطنة – بل وعْيُنا في كثير من الأحيان – مقاومة عنيفة أو على الأقل مراوغة.
الحلّ ليس دائماً بعيداً عنّا، ولكن إذا كان الحل بالفعل بعيداً فما المانع من أن نعمد إليه مهما تكن المسافة التي تفصلنا عنه؟ في المقابل إذا كان الحلّ بين أيدينا فما الداعي إلى البحث عنه بعيداً؟ وفي الوقت نفسه، هل ثمة مانع من أن نحاول تجربة حلول أخرى بعيدة قد تكون أنجع حتى إذا كان ما بين أيدينا كافياً؟ الإجابة على الأسئلة الثلاثة مجتمعة هي: لا، لا يُفترَض أن يوجد أي مانع لأيٍّ ممّا سبق من الاحتمالات الكامنة في الأسئلة الثلاثة وغيرها ممّا تتضمّنه أية تجربة للبحث عن حل لمشكلة تواجهنا أو حتى لمجرّد النظر في آفاق نفترعها ابتداعاً.
من الضروري أن نفكّر خارج صناديقنا، ولكن ليس مهمّاً أن نعيش خارجها. لا بأس بتجربة صناديق أخرى للعيش مرحلياً كما لو أننا في عطلة نعود بعدها إلى ممارسة طقوس حياتنا اليومية المعتادة، ولا غضاضة من حيث المبدأ إذا راقنا صندوقٌ آخر للعيش فيه بصورة مستمرة أو على الأقل ممتدّة؛ ولكن من الحكمة الانتباه إلى أن الأهم على صعيد المفاضلة بين السؤالين "أين نعيش؟" و"كيف نعيش؟" هو الانشغال بالبحث عن إجابة السؤال الأخير مهما تكن إجابتنا التي فضّلناها بالنسبة للسؤال الأول؛ ومهم أن ننتبه إلى أن إجابة "كيف نعيش؟" تغدو أجمل وأعمق عندما لا تكون واحدة وقطعية – بصرف النظر عن كنهها - بل متجددة استجابةً لفيوض الإلهام التي تغمرنا بتأمّلنا المستمر ما أمكننا كلَّ ما حولنا.
للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])