عمرو منير دهب يكتب: اختلِطْ بالناس واعتزِلْهم.. الفصل الثامن عشر من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

"ضبطتُ نفسي خلسة متلبسة بشعور غريب، فمع أظهر حالاتي رغبةً في اعتزال الناس كنت بحاجة إلى التأكد من أنّ مَن أرغب في اعتزالهم لا يزالون إلى جواري على مسافة ما تقصر أو تطول، والأهم التأكد من أنهم يفطنون إلى أنني أرغب في أن أخلو بنفسي، وأهم من كل ذلك أن يكونوا على استعداد تام لأن يتدافعوا نحوي فورَ تلميحي بأن حالة الرغبة في اعتزالهم قد انقشعت عنّي. هل كنت حقاً أرغب في اعتزالهم؟".

ذلك من مقال بعنوان "أريد ناساً أعتزلهم" ضمن كتاب "ما لا أملك من المشاعر والأفكار"، وفي الموضع ذاته: "باستمرار مراقبة النفس والآخرين بصفة عامة في مواقف دون مستوى اعتزال الناس جملة واحدة، يتبيّن أننا نحب أن نستيقن من أن من نتجاهلهم يدركون ذلك، فلا معنى لأن تتجاهل أحداً لا يفطن إلى فعلتك إذا كان التجاهل نفسه يعنى ادّعاء أو تكلّف الجهل وليس الجهل مجرّداً، وكلما طغى اهتمام/ضيق/غيظ أحدهم بتجاهل خصمه ازداد الخصم ارتياحاً وسروراً. التجاهل إذن حيلة لجذب انتباه الآخرين، أو هو مراوغة للفرار من حالة هزيمة لا نحب الاعتراف بها، أو هو أقصى درجات الانتقام نصبّه على أحدهم؛ وفي كل الأحوال نحب أن تنتبه "الضحية" لذلك، والأغلب أن نكون نحن "الضحية"، أو على الأقل نتقاسم "اللقب" مع شريكنا/خصمنا في المعركة".

ليس الإنسان فحسب وإنما جميع الحيوانات اجتماعية، وذلك باعتبار ميلها إلى العيش في مجموعات/مجتمعات لا بصورة منعزلة. وعندما يغدو المقصود من الانعزال حالة فردية، أي اعتزال الفرد – لا جماعة ما - الآخرين تماماً، فإن فكرة اجتماعية الإنسان/الحيوان تصبح أشدّ تأكّداً، وذلك باستثناء الحالات شديدة الخصوصية التي يقرّر فيها أحدهم أن يعتزل الناس تماماً – مع تباين الأغراض وراء الاعتزال – لأمد قصير أو طويل، أو حتى إلى نهاية الحياة.

بذلك، لا حاجة ملحّة إلى تأكيد أهميّة الاختلاط بالآخرين إذا كانت قضية الاختلاط تبدو على ما هي عليه من حيث كونها مسألة فطرية؛ وعليه فإن الدروس حول أهمية التواصل مع الآخرين مهمة فقط في حالات بعينها كتشجيع طفل يميل إلى أن يجلس وحيداً على الاحتكاك بمن حوله، أو الحرص على تنشئة أجيال المجتمع الصاعدة على نمط/أنماط بعينها من التواصل يفضّلها مجتمعهم على نحو خاص.

إلى جانب كونه أمراً فطرياً، يبدو الاختلاط بالآخرين ضرورة لا مناص منها، والأهم أنه مسألة ذات فوائد ليس من السهولة إحصاؤها في أي مقام. ولكن في المقابل لا يعدم الاختلاط بالناس مضارّه بطبيعة الحال، وهي مضارّ لا يمكن تجاوزها ضمن أية عملية احتكاك/تواصل مع الناس في أي نطاق مهما يجتهد خبراء العلاقات العامة في بيان الأوجه المثلى للتعامل مع الآخرين في هذا المقام وذاك.

اعتزال الناس إذن فعلة لا تخلو من الحكمة والفائدة بدورها في أكثر من مقام؛ فقد نعتزل الآخرين لأنه لم يعد بإمكاننا أن نواصل التعامل معهم في ظل خلاف مستحكم، أو ننأى عنهم بداعي خلاف ناشئ يشير معظم الدلائل إلى أنه في طريقه إلى تفاقم وشيك؛ وقد نبتعد عن الناس فقط لأننا مشغولون ببعض شؤوننا العاجلة، أو لمجرّد أننا لم نعد في مزاج يسمح بالتواصل الحميم معهم، وربما نفعل ذلك لغاية نفسية أو فلسفية محضة متعلقة بفكرة الاعتزال نفسها.

اتخاذ القرار باعتزال الناس تماماً وإلى الأبد فكرة من النادر جدّاً أن تطرق البال، فالأغلب أن يكون اعتزالنا الآخرين موقوتاً، إمّا بضبط مسبّق لمدّة الاعتزال وإمّا بالرجوع إلى سيرتنا الأولى في التعامل مع الناس بعد فترة – تطول أو تقصر – فقط لأن قوانا قد خارت فلم نعد قادرين على مصادمة فطرة/عادة/ضرورة التواصل مع من حولنا.

بالعودة إلى "ما لا أملك من المشاعر والأفكار" نرى أن "تجاهلنا للآخرين أظهرُ الأدلة على اهتمامنا بهم، تماماً مثلما أن صرختنا المدوية إعلاناً للرغبة في اعتزال الناس ليست سوى تأكيد لأهمية من نريد أن نعتزلهم في حياتنا، تأكيد على أننا اجتماعيون بالفطرة، بغض النظر عن المتواري في اللاشعور مما يحدو كلّاً منّا إلى الاستجابة للإفصاح عن فطرة الميل الاجتماعي بهذه الطريقة الشائعة أو بنقيضها من طرائق التعبير، ولا لافت في الأمر سوى أننا نعبِّر عن الميل الفطري نفسه بطريقتين متناقضتين".

ولكن من الواضح، إذا سلّمنا بكوننا اجتماعيين بالفطرة، أنّنا متفاوتون في فطرتنا الاجتماعية تلك؛ وهذا هو الجدير بالنظر والاعتبار. ليس من الحكمة إذن أن يحاكم أيٌّ منّا الآخر في ضوء فطرته/ميله الشخصي إلى التواصل مع الآخرين أو اعتزالهم في المقابل.

وإذ لا مفرّ من الإقرار بطبيعة/قوانين كل مجتمع في النظر إلى قيمة ومدى التفاعل/التواصل مع الآخرين ضمن ذلك المجتمع، فإن الأهم هو أن يُترك كل واحد وفطرته/ميله إلى التعامل/التواصل مع من حوله سواءٌ من حيث طبيعة هذا التعامل/التواصل أو من حيث شدّته، فالأهم من مبادرتنا بتقديم الخير إلى الآخرين هو حرصنا على ألّا نؤذي أولئك الآخرين سواءٌ حين نميل إلى الانخراط في التفاعل معهم على اختلاف الأشكال أو عندما نقرّر أو نعتزلهم بأيّة درجة وإلى أي مدى من عمر الزمان.

لنختلطْ بالناس ولنعتزلْهم، ولْنكنْ في الحالين مفيدين لأنفسنا ولأولئك الذين نقرّر أن نركض نحوهم أو نهرب منهم بصرف البصر عن الأسباب التي تدعونا إلى أيٍّ من الفعلين المتناقضين.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])