حذّرنا في "حرب الأجناس الأدبية" من تخمة القراءة، وتهكّمنا على "المكتبة المتحركة" التي هي قارئ - أو حتى كاتب – يلتهم كل ما يقع عليه من الكتب بالقراءة من الغلاف للغلاف ويزهو بذلك حيثما أتيحت له الفرصة، وربما يتحيّن – أو يختلق – الفرص لاستعراض عضلاته القرائية وقدراته الفريدة على استرجاع كل معلومة قرأها من رفوف ذاكرته المكتظّة بالأسفار من كل جنس ولون.
نموذج المكتبة المتحركة لم يكن يوماً نموذجَ القارئ الأمثل، لكنه أضحى أدنى فائدة، بل ربما أدعى إلى إثارة الشفقة في زماننا هذا الذي باتت فيه كل معلومة قيد إشارتك، أو – للدقة – رهن لمسة واحدة من إصبعك بعد إدخال ما تريده على لوحة مفاتيح جهازك الصغير الذي لا يبرحك ليلَ نهار.
لا مشكلة ابتداءً في كثرة القراءة ولا حتى في طغيانها على حياة أيٍّ من الناس إذا كان مَن يدمن القراءة مرتاحاً إلى ذلك الإدمان، يرى فيه متعته الخالصة ولا يعطّل نواحي حياته الأخرى بشكل ملحوظ؛ بل أزيد فأقول بأنه حتى إذا عطّلت القراءة الطاغية حياة صاحبها في ناحية مهمة أو أكثر من نواحي حياته وكان هو يدرك ذلك ولا يرى به بأساً ويتحمّل تبعاته، فهنا أيضاً لا مشكلة. المشكلة تبرز حين يظنّ مدمن القراءة أنه بذلك يحسن صنعاً ثم يتجاوز إلى حيث يظن أنّ ذروة التجلّي المعرفي والثقافي تكمن في ذلك الصنيع، وغالباً ما تتلبّس أمثالُ تلك الظنون وجدانَ مدمني القراءة.
وجه آخر للمشكلة أعلاه تكشفه حقيقةُ أن القراءة أصلاً ليست الوسيلة الوحيدة للمعرفة، وإنْ تكن أشهر وسائلها، ولكن ليست أنجعها بالضرورة. وإذا كان شائعاً أن الحياة – بمعنى التجارب الذاتية - هي المعلّم الأكبر، فإن ذلك المعلّم يتطلّب انفتاحاً عظيماً لقراءة دروسه وفهمها على النحو الأفضل، وليس الاكتفاء غروراً بالهرولة إلى خوض كل تجربة حياتية متاحة وتوهّم اقتناص المعرفة لمجرد خوض التجربة.
إضافة إلى تجارب الحياة الذاتية الثرية والملهمة، هناك العديد من وسائل المعرفة التي تنافس القراءة منافسة حادّة من حيث الثراء والعمق، بل ومن حيث سهولة التلقّي. استلهام تجارب الآخرين من الأقارب والأباعد الأكبر سنّاً أو الأوسع معرفة - في مجال بعينه أو بصفة عامة – بمثابة تجارب شبه ذاتية ثمينة إذا كان مصدر التجربة يتمتع بالموثوقية.
هذا، وتبدو وسائل تلقّي المعرفة الأشد شبهاً بالقراءة - وأشدّ منافسة لها بصورة مباشرة - ماثلةً في الأعمال الدرامية والمواد الإعلامية المختلفة والمتاحة بدورها على مختلف وسائل الإعلام التقليدي منها والحديث.
ليس مع القراءة وحدها، ولكن مهما تكن وسيلة تلقّي المعرفة يظلّ أثر إدمانها واحداً على الأرجح، وهو سدّ منافذ التنفّس على رئة المعرفة لسببين رئيسين: الأول هو تخمة المعرفة بما يعيق/يصعِّب عملية هضمها، والثاني هو أحادية الاتجاه، فالتلقّي وحده ليس سبيلاً إلى كسب المعرفة التي تقتضي تفاعلاً في الاتجاهين بالأخذ والردّ، كما تتطلّب التحليل الناقد، وكل ذلك يُعيقه إدمانُ التلقّي منفرداً.
إذا نظرنا إلى مسألة المعرفة مجازاً في ضوء عملية التنفّس، فإن الشهيق هو أحد ركنَي العملية الرئيسين، لكن استنشاق كميات مضاعفة من الهواء المحمّل بالأكسجين لا يفيد في شيء، فالعملية تقوم على تكامل الشهيق والزفير؛ وإذا كان التنفّس يشار إليه أحياناً من باب الاختصار الرمزي – في الأداء التمثيلي على سبيل المثال - باستنشاق جرعة كبيرة من الهواء، فإن الاختصار الأبلغ للعملية المتكاملة إنّما يجسّده التعبيران: التنفس للداخل (استنشاق الهواء المحمّل بالأكسجين) والتنفس للخارج (طرد الهواء المحمّل بثاني أكسيد الكربون)، فالفعلان مكمّلان للعملية نفسها ويستحقّان تقاسم الاسم نفسه مع تغيير الاتجاه.
المعرفة إذن لا سبيل إلى تحقّقها بالقراءة وحدها، بل تكتمل بالتفاعل مع ما تمّت قراءته إمّا بالتأمل الذاتي وإمّا بالنقاش مع الآخرين، وما الكتابة إلّا تجسيد للفعلين معاً (التأمل والنقاش) على الأرجح.
ولكن مهما يكن، يظلّ للقراءة تميّزها وألَقها الخاص، فالقراءة من أكثر وسائل تلقّي المعرفة التي تتيح التساؤل والتأمّل لاحقاً، بل إن القراءة الحقّة هي تلك التي تتضمّن التساؤل والتأمّل بصورة موازية في غضونها وليس عقب الفراغ منها.
اقرأ إذن لأن القراءة ضرورية بوصفها إحدى أبرز وسائل تلقّي المعرفة، وتوخَّ ما استطعت الوقوع في براثن ما تظن أنك اصطدته من فوائد القراءة، فليست كل معلومة تتلقّاها مسلّمة لا تقبل الجدال، بل إن كل معلومة تتلقّاها تستوجب الجدال، إذ لا توجد مسلّمة كاملة إزاء التفكير الناقد، ومن قبلُ إزاء الحقيقة التي لا يمكن أن تكون كاملة أو مطلقة في أي نطاق.
إلى ذلك، لا تجعل الخوف من أسْر معلومة ثمينة على أي صعيد يتملّكك، فنحن لا ريب أسارى لكل ما يقتحمنا أول الأمر من الأفكار أو الناس الملهمين؛ وقد قيل – على سبيل المثال لعدم إمكانية إفلات المرء من تأثير الأفكار المحيطة به – إن مناضلاً شرساً يتمّ تقييده في حبس انفرادي لمدة طويلة لتغيير أفكاره يقوم بالمقاومة عن طريق التركيز الخالص على ذاته، وبالتالي يصبح – من حيث لا يحتسب – خاضعاً بالكلّيّة تقريباً لسطوة أفكاره العتيقة عوضاً عن تجديدها أو على الأقل استخدامها لمصلحته، فتغدو أفكاره بذلك هي التي تستخدمه.
توقّفْ عن القراءة لبرهة – تقصر أو تطول – عندما تجدها قد أصبحت عادة تنهض إليها بشكل آلي/ميكانيكي يخلو من أية روح؛ عندها تكون أنت على الأرجح في حاجة لأن تتنفّس؛ أو – للدقة – في حاجة لأن تمارس تحديداً عملية التنفس للخارج أو أية عملية فرعية أخرى في غضون المنظومة المتكاملة للتفاعل مع كل ما حولك بالأخذ والرد.
للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])