عمرو منير دهب يكتب: اعترف ولا تعترف.. الفصل الرابع والعشرون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

هل الاعتراف فضيلة؟ في الواقع تبدو الإجابة على هذا السؤال مرتبطة بسؤال آخر: هل الصراحة فضيلة؟

الإجابة المباشرة أن الصراحة ليست فضيلة وإنما هي طبع له محاسنه وعيوبه؛ ولكن لأكثر من سبب ارتبطت الصراحة في الأذهان بما هو أقرب إلى الفضائل سواءٌ على المستويات الفردية أو فيما يتعلّق بشؤون الحياة العامة، وأبرز تلك الأسباب أن الناس تريد أن تعرف الحقيقة، حقيقة ما جرى وما يجري وما سيجري، لذا فإنها تشعر بالامتنان لمن يطلعها على المستور مما يصعب الوصول إليه في مختلف مجالات الحياة العامة؛ أمّا على المستويات الفردية فإن "غريزة" الفضول تبدو كما لو كانت أبرز ما يدفع الناس إلى تبجيل الصُّرَحاء، باستثناء أن تكون صراحة الآخرين في شأن بالغ الخصوصية يعنينا ولا نحب أن يطّلع عليه الناس أو حتى نواجه به أنفسنا.

الاعتراف إذن ليس سوى وجه من وجوه الصراحة، فهو الإقرار/الصراحة بشأن مسألة خاصة أو عامة يُطلب من أيٍّ منّا الإدلاء برأيه فيها أو يبادر هو إلى إبداء رأيه حولها لأيِّ من الغايات. بذلك، فإن الصراحة هي الطبع، أمّا الاعتراف فهو الفعل الذي يبادر أو يُساق إليه أحدهم ويكون موافقاً لطبعه أو مخالفاً له ولكنه يجد نفسه مجبراً على القيام به لسبب أو آخر.

"بينما نرتدي أخطاءنا ببشاعة فإن الاعتراف تجرُّد نفضِّل أن نمارسه بشكل أنيق"؛ ذلك مما ورد في "طريق الحكمة السريع" إشارةً إلى الغريزة/الفطرة التي تبدو كما لو أنّها تدفعنا باستمرار إلى البحث عن رضا وإعجاب/إبهار الآخرين، فنحن عندما نرتكب أخطاءنا نكون عادة مدفوعين بقوة المصلحة (المادية أو المعنوية) الجامحة ولا نعدم التبرير (المنطقي أو الأخلاقي) لما نقوم به، وعندما تنجلي سَكْرة المصلحة التي دفعتنا إلى ارتكاب ما لم يعد باستطاعتنا أن نجادل في كونه خطأً وتعترينا الرغبة في التطهّر - لسبب أو آخر - فإننا لا نبادر إلى الاعتراف إلّا بعد أن نتأكّد من أنه سيعود علينا بمنفعة أو على الأقل سيحظى بتقدير من قبيلٍ ما ولو كان معنوياً محضاً.

والحال كتلك، لا حاجة إلى أن نقلق إذا وجدنا أن كمّ الاعترافات التي أدلينا بها على أي صعيد متدنّياً؛ فليس مهمّاً أن يعرف الآخرون أنّنا تراجعنا عن قرار/فكرة ما، أو أنّنا بتنا نقرّ بخطأ ارتكبناه، بقدر ما هو مهم أن نبادر إلى مواجهة أنفسنا بما تراجعنا عنه من القرارات/الأفكار أو أدركناه من أخطائنا الفادحة أو حتى العابرة.

نرشح لك: تكريم مرتقب للكاتبة السورية سراب غانم في القاهرة بعد فوزها بجائزة المتنبي

الاعتراف في مواجهة أنفسنا إذن بالغ الأهمية، ولكنه ليس واجباً لا تستقيم حياتنا بدونه بالضرورة؛ بل ربما يغدو من المناسب صحّيّاً في بعض الحالات أن نغض الطرف إلى حين عمّا نرى أننا لسنا مهيّئين بعدُ لمواجهته من أفكارنا/قراراتنا التي نشكّ فيها، وهي – على كل حال – مسألة تحدث بصورة تلقائية بوصفها آلية دفاع نفسي فطرية، فالعجز عن تحمّل تبعات تغيير مواقفنا يدفعنا إلى مواصلة التشبّث بها والبحث عن تبريرات جديدة/محدَّثة لها، ولا بأس بذلك شريطة أن نعمل بصورة موازية على تجربة ما يصلح لتفسير/تبرير مواقف جديدة كلّياً تقدّم لنا نفسها بقوّة بوصفها بديلاً أكثر منطقية/منفعة لما اعتدناه قبلها.

من الجمال النفسي إذن أن يعترف الواحد بعيوبه، وهو من قبلُ فعلٌ يدلّ على الثقة؛ لكن من الحكمة أن يتبصّر الواحد قبل أن يُهرع إلى تبصير الآخرين بما لا يعرفونه عنه من العيوب. تلقائياً، يعمل عادةً المعترِف على التأكّد من أن مَن يتوجه إليهم بالحديث سيستقبلون اعترافه بالتبجيل لما ينطوي عليه من شجاعة، لكن اختيار الشخص/الجمهور المناسب/الصحيح مسألة بالغة الأهمية كي يكون الاعتراف ناجعاً؛ كذلك فإن اختيار الوقت الأنسب مسألة لا تقلّ أهمية من أجل استكمال اعتراف يحقّق أهدافه أو على الأقل يخرج منه المعترف بأقلّ الخسائر؛ فقد تقودنا حماسة الرغبة في التطهّر إلى أن نتوجّه إلى من لا يستحق باعترافات ثمينة لن يستغلّها ضدّنا بالضرورة لكنها قد لا تصادف عنده التقدير/التعاطف الذي ننتظره ونحن ندلي بعملية الاعتراف الحرجة، وربما نُصيب في اختيارنا مَن نصطفيه باعترافنا لكننا نخطئ التوقيت فنخرج محبطين كما لو كنّا قد أخطأنا الشخصَ المناسب وليس التوقيت الدقيق فحسب.

ليست عيوبنا فحسب وإنما إعجابنا كذلك بحاجة إلى التمهّل في الإقرار به، سواء كنّا ننوي التوجّه بالإقرار لمن نحن معجبون به، أو لآخر نحب أن نصارحه بإعجاب فائق يثقل كتمانُه صدورَنا، أو لمجرّد مشاركة تلك المشاعر مع صديق مقرّب.

تمهّل في الإفصاح عن إعجابك لأنك قد تكون مندفعاً في تقدير مَن استحوذ على ذلك الإعجاب. ولكن المسألة ليست مجرّد اعتراف بالإعجاب مقابل "لااعتراف"، فالأهم طريقة إفصاحك عن إعجابك، وهنا لا بأس بتقسيم الاعتراف على أكثر من مرحلة، بحيث تكون المصارحة الأولى متمهّلة حذرة تعينك على أن تقرّر إذا كان مناسباً أن تمضي بعدها قُدُماً في المزيد من المكاشفة أو تكتفي بذلك القدر دون أن تكون ملزَماً بالتراجع عن الإعجاب نفسه بالضرورة. أمّا إذا كنت تمتلك رغبة جامحة ترافقها ثقة راسخة في الإفصاح عن إعجابك دفقةً واحدة فلا بأس، والأرجح في تلك الحال أن تكون الصراحة/المكاشفة هي طبعك الذي لا مناص لك منه، والأغلب أنك بطبعك هذا تعلم تماماً ماذا تفعل في حال بدت عواقب المصارحة بالإعجاب على غير ما تأمل؛ وإن يكن ذلك لا يعني أن تتجاهل في التجربة ما عساه أن يكون دروساً جديدة ترشدك إلى تعديل بعض أنماط سلوكك مما تظنّه فطرة غير قابلة للتبديل.

الاعتراف بالجميل يبدو أشدّ ضرورة وإلحاحاً من مجرد الإفصاح عن إعجابنا بأحد لم يقدّم لنا من الخير والفضل ما يتجاوز إبهاجنا أو حتى إبهارنا وإلهامنا. الإبهاج أو الإبهار أو الإلهام ليست من الصنائع الهيّنة بحال لكنها بصفة عامة أدنى منزلة ممّا يقدّمه آخرون لنا حصرياً – أو حتى مشاركةً – من العطاء المباشر الذي يعيننا مادياً أو معنوياً على إدارة بعض شؤون حياتنا الملحّة أو اجتياز أزمة حرجة نمرّ بها؛ فهنا يبدو الاعتراف بالجميل – خاصة لمن أسدى ذلك الجميل – ضرورة، وتبقى المسألة حول الشكل والوقت الأنسب لذلك الاعتراف. التفاصيل كثيرة، فإذا كان المقصود بالاعتراف بالجميل هو الامتنان لمن أسدى ذلك الجميل فقد يقتضي الأمرُ الإقرارَ بفضل أحدهم أمام ثلة بعينها من الناس، حتى إنّ الاعتراف بالفضل لا يُعدّ ذا قيمة إذا لم يكن على رؤوس الأشهاد؛ ومن أمثلة موجبات ذلك تحقيق إنجاز رفيع اقتباساً عن فكرة قالها أحدهم عرضاً وهو لا يلقي لها بالاً، أو أن يكون لأحدهم فضل علينا في الإلهام بصفة عامة في مجال بعينه أو أكثر من مجالات الحياة.

لا تخجل من أمر أقدمت عليه بالفعل ولا من خدمة أسداها إليك أحدهم إذا بِتَّ ترى نفسك أرفع مقاماً بكثير مما كان عليه الحال حين قبلت تلك الخدمة؛ فعندئذٍ تحديداً يتوجّب عليك أن تقرّ بالفضل، ومن الخير لك أن تبادر أنت إلى الإقرار بذلك الفضل في ثقة قبل أن يحاصرك بشأنه الآخرون فتبدو حينها كمن يقرّ بذنب/جريمة تحت وطأة التهديد.

لا تتعجّل بالاعتراف في كل مقام ولا تتهيّبه في أي مقام في الوقت نفسه؛ وتذكّر دوماً أن لديك مناطق تخصك وحدك لست ملزماً بأن تفتح أبوابها أمام الآخرين للاقتراب والتصوير.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])