لم أكن أتوقع أن تنطوي قصتي مع قوت القلوب الدمرداشية على كل هذه الدراما التي عشتها بعد صدور كتابي عنها ثم الاعتداء على محتواه بالاقتباس غير المباح قانونًا.
لقد انتابتني مع الست "قوت" حالة غريبة منذ بداية جمع المادة عنها؛ إحساس أنني تورطت معها وأن هناك رابطة روحية غير مرئية تجذبني إليها، وكأن القدر أدخلني إلى عالمها وأدخلها إلى عالمي لسر مكتوب في اللوح المحفوظ. كنت كلما زرت قصر الدمرداش باشا بالعباسية ودخلت غرفة نومها أحسست وكأنني أعرفها عن ظهر قلب وتتملكني تلك الطاقة، طاقة المكان التي تشعرني بالسكينة والتي كنت أردها إلى أن الآذان ظل عبر قرون ينطلق هنا في مسجد الدمرداش، والأذكار تتردد على ألسنة المريدين في "الخنقاة" الملحقة بالمسجد حتى أصبحت تلك البقعة مباركة لا تطأها الشياطين ولاتعرف المشاعر السلبية لها طريقًا. وكنت كلما نظرت من عيون المشربية في شرفة القصر أشعر بخدر يسري في أوصالي بفعل رائحة ثمار اللارنج والبرتقال في حديقة القصر التي كانت جزءا من الأرض التي أهداها السلطان قايتباي المولع بالأولياء لشيخه المقرب المحمدي الخلوتي الدمرداشي الكبير، ويتسرب الخدر إلى نفسي فأتخيل الصبية "قوت" وهي تنظر من مشربيتها إلى العالم الفسيح مترقبة القادم الذي ينتظرها ونزاع يعتصر روحها بين تقاليد القصر المنيعة وما زاحمها من معارف تلقتها من معلمتها الفرنسية ومربيتها الإيطالية. وكلما قطعت شوطًا في الكتابة عنها وجدتني أنفعل معها نفسيًا وعاطفيًا كامرأة لم تعرف لها الراحة طريقًا، ولم تمنحها الأقدار شيئًأ من الاستقرار، وعاجلتها تقلبات الزمن بشتى الطعنات. هذا التعاطف دفع القلق إلى نفسي كباحثة ينبغي لها التجرد وعدم التعاطف مع الشخصية التي تكتب عنها. كنت كذلك مع كل الشخوص التي تناولتها إلا قوت القلوب الدمرداشية. لكني في نهاية الأمر جاهدت نفسي وتغلبت روح الباحثة على مشاعر المرأة داخلي.
وبعد اندلاع النزاع القضائي حول الاقتباس من الكتاب، بدا لي وكأن السماء تريد لسيرة هذه المرأة أن تجوب الآفاق ويتردد اسمها بين العالمين بعد جفوة بينها وبين أسطر التاريخ التي أهملت سيرتها عمدًا ثم سهوًا، فأصبح الجميع يتساءلون: من تكون "قوت القلوب الدمرداشية"!!
فبعد رحيلها بأكثر من50 عامًا عادت الست قوت ملء الأرض والسماء كما كانت أثناء حياتها كسيدة مجتمع لها مكان ومكانة، الكل يبحث عن رواياتها المترجمة وغير المترجمة، والكل يتساءل عن سر هذا التجاهل لامرأة مثلت حالة خاصة في الوسط الثقافي وقد كانت المعلومة الوحيدة المتداولة عنها أنها منحت الأديب نجيب محفوظ أول جائزة في حياته، وهو قليل من كثير يروى عن تلك السيدة والتي تحار حين تحاول التعريف بها.. من أين تبدأ.
لقد كانت المرأة الوحيدة التي تولت شئون الطريقة الصوفية الدمرداشية من وراء ستار فعرفت ب" أم الدراويش"، وقدمت نموذجًا بارزًا كسيدة أعمال ناجحة استطاعت تنمية ثروة والدها حتى أصبحت أحد أغنى ست شباب بمصر في عصرها، وهى الأديبة التي كتبت أدبًا بالفرنسية ونشرته دار "جاليمار" أكبر دور النشر الفرنسية، استحق ثناء د. طه حسين وكتابته فصل كامل عنه في كتابه "فصول في الأدب والنقد"، وبلغ إعجابه بأدب الست قوت حدًا تمنى معه أن يترجم يومًا إلى العربية.
وهى سيدة البر والإحسان التي شاركت في كل ميادين الخير، ومنها رعاية طلاب العلم ففتحت مكتبتها في قصرها الشامخ بالتحرير وكانت تضم 8000 كتاب لطلبة الجامعة المصرية، وخصصت مبلغًا من المال لطباعة كتاب "إمتاع السماع بما للنبي صلي الله عليه وسلم من الأحوال والأموال والحفدة المتاع" لتقي الدين المقريزي. كما أنفقت على البحوث التي كان يجريها الدكتور" بول غليونجي " على الغدد الصماء، وهو صاحب الفضل في إنشاء قسم متخصص في أمراض الغدد بكلية طب قصر العيني
لقد بدت حياة قوت القلوب الدمرداشية، حين اطلعت على بعض تفاصيلها، قصة تصلح لحبكة فيلم روائي متعدد الزوايا وثري الرؤى، فقد عاشت الحاجة قوت القلوب هانم- كما كان يناديها كل سكان حي العباسية - حياة اتسمت بنعيم البرجوازية وروحانية الصوفية، حياة تأرجحت بين ثراء الأرستقراطية وزهد الصوفية، فشلت في الزواج وأضناها الحب من طرف واحد ودفعت ثمن علاقتها بالكاتب الصحفي أحمد أبو الفتح غضبًا من الساسة الذين أمروا بهدم قصرها في ثلاثة أيام وتأميم أموالها فهاجرت إلى إيطاليا بما تبقى لها. ثم جاءت النهاية مأساوية باغتيالها على يد ابنها وقرة عينها الذي ساءت حالته النفسية بعدما طرد من الخارجية بغير جريرة سوى انتمائه الطبقي.
فكان قراري أن أبحر بعمق في سيرة حياة سيدة قصر الدمرداش باشا، المرأة الغامضة التي حاولت الخروج من شرنقة التقاليد الشرقية التي تربت عليها، فأمسكت بقلمها تدافع عن حقوق المرأة فسبقت الكثير من الأديبات في الانتصار للمرأة ضد أفكار متوارثة حكمت عليها دومًا بالبقاء في الظل، سيدة المجتمع الذي اقتحمت عوالم الثقافة واستقبلت في قصرها علية المفكرين المصريين والفرنسيين وفي الوقت نفسه لم تكن تخرج للعالم وتتعامل معه إلا من وراء حجاب كان يغطي وجهها.
وفي يقيني أن السماء قد انتخبتني لأعيد الحق إلى هذه السيدة التي أظن أن بيني وبينها بعض الملامح الشخصية ونقاط التماس. ولو أن ما عانيته خلال عامين خضت خلالهما معركة قضائية وإعلامية ضارية ثمنًا للكشف عن شخصية مهمة في تاريخنا المنسي، فهذا ثمن بخس أقدمه راضية للكتابة التاريخية المنصفة التي عاهدت نفسي على تقديمها بإعادة قراءة للتاريخ الذي تعرض بعضه للتزوير أو التسطيح أو التشويه أو الإهمال، وإعادة الأضواء إلى الشخصيات التاريخية التي كانت لها بصمة ما لكن حسابات السياسة وأشياء أخرى أدت على طمسها.
في المقابل كان للست قوت فضل كبير علي؛ فقد منحتني معركة كتابي عنها الفرصة لإعادة اكتشاف ذاتي على المستويين النفسي والإبداعي، وأضافت لي بعدًا آخر في النظر إلى الأشخاص والأفكار، وأكسبتني المزيد من صلابة العود التي لا ندركها إلا بركوب الصعاب، وأخيرًا انتصرت في المعركة رغم صعوبتها وانتصرت "الست قوت" وقضيتها في كل مراحل التقاضي، حتى إن المقربين مني كانوا يمازحونني قائلين: "إنها بركات الست قوت".
في بادىء الأمر كان خوضي المعركة حرصًا على حقي الأدبي والمعنوي، وشيئًا فشيئًا مع ما تعرضت له من سجالات ونقاشات بعضها أقرب إلى السفسطة، اكتشفت أن هناك حالة من عدم الوعي بمحددات الملكية الفكرية وحدودها، فأصبحت أنظر إلى القضية لا من منظور شخصي بل من منطلق أخلاقي وفكري يخص حقوق المبدعين ككل؛ فقضية الملكية الفكرية لا تخصني وحدي بل إنها قضية كل من يمارس الإبداع . وأحمد الله أن المكسب من هذه القضية أيضًا لم يأت مكسبًا شخصيًا . بل كان مكسبًا عامًا ؛ إذ استطاع الأستاذ خالد العربي المحامي الذي تولى القضية في إرساء مبدأ قانوني جديد يقضي بمعاقبة الكتاب المعتدِي بسحبه من الأسواق ومنع تداوله تمامًا بعد أن كانت الأحكام السابقة تكتفي بالحكم بإعادة نشر الكتاب بعد حذف الأجزاء المقتبسة.
يبدو بالفعل أنها بركات " الست قوت "