الفصل التاسع والعشرون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"
• إنني مفتون بالماضي، سواءٌ أكان ذلك الماضي أمس أم اليوم أم الغد.
• خوفي من الزمن يتجسّد، أكثر من أيامي الماضية، في تلك التي ستمضي لاحقاً.
على الرغم من أن الكتاب لا يسرد في غضون كلماته المكثفة كلّها تجربة شخصية، فإن بعض ما يرد في "طريق الحكمة السريع" يعكس آراءً وميولاً ذاتية صرفة، تماماً كما في الاقتباسين أعلاه عن علاقتي الحميمة جداً بالماضي والذكريات.
وربما في إطار التنقيب بحثاً عن تفسير لتلك النزعة الحادة في التعلّق بالماضي وما يفيئه علينا من ذكريات، ذهبت إلى أن:
• لذة الذكريات تكمن في أننا نحكي ونحن مطمئنون إلى أن شيئاً لن يغير مسار الأحداث.
ثم، وفيما يبدو صيغة فلسفية توفيقية، تبرّعت بالنصيحة التالية إلى نفسي وإلى من يشاكلونني من مدمني لذة استرجاع ما مضى من قصص وأحداث:
• إذا كنت من عشّاق الذكريات اركض حثيثاً نحو المستقبل، سوف تحصل على المزيد منها.
تبدو النصيحة أعلاه مناسبة لمجابهة مفارقتنا/متناقضتنا التي تجسّدها صيغتا الأمر في عنوان هذا المقال، ولكنها بالطبع ليست كل شيء، فالحصول على المزيد من الذكريات ليس كل ما يرجى من الحث على التطلّع إلى المستقبل بطبيعة الحال.
نحن مضطرّون إلى التعامل مع الحاضر والمستقبل لأسباب عملية في المقام الأول، لذلك فإن من الخير والحكمة أن نتقبّلهما – على صعيد المفاضلة بينهما وبين الماضي الذي يبدو في العادة حالماً وجميلاً – باطمئنان واستبشار. وإذا كانت هذه النصيحة لا تخلو من الفائدة بالنسبة للحالمين من عشاق الماضي بصرف النظر عن صعوبة تطبيقها بالنسبة إليهم، فإنها على الأرجح زائدة على الحاجة تماماً بالنسبة للعمليّين الذين هم في الواقع بحاجة إلى نصيحة مقابلة بخصوص التمهّل في العدو حثيثاً نحو المستقبل وذلك كي يتسنّى لهم التقاط أنفاسهم باستنشاق عبق الماضي والتزوّد من ذكرياته التي هي بمثابة الوقود لمعاودة الانطلاق نحو المستقبل وليست مجرد وسيلة حالمة للاستجمام والمتعة النفسية الخالصة.
التصالح مع الماضي مهمّ إلى حدّ يجهله في الغالب العمليّون من عشّاق الحاضر والمولعين بالمستقبل؛ فإذا كانت الذكريات وقوداً يزوّدنا بالطاقة لمعاودة/استمرار الانطلاق في رحلة الحياة، فإن الماضي – إجمالاً – هو التاريخ الذي يمنحنا ما يلزم من المعرفة لا لاقتحام المستقبل فحسب وإنما لتشكيله ابتداءً؛ فمستقبلنا ليس مجرّد أيام قادمة نجلس في انتظارها ونستعد لها بطريقة أو بأخرى قدرَ ما هو واقع نصنعه كل يوم بدرجة أو أخرى، وبقدر ما ننهمك في صنع مستقبلنا نكون أفضل استعداداً للتكيّف مع مفاجآته، فغنيّ عن القول - سوى من بابَي التذكير والتأكيد - أننا مهما نجتهد ونتحرَّ الدقة والالتزام يأتِ المستقبل على صور ليست مطابقة بحال لما ظللنا نرسمه، بل صور تكاد تغصّ بالمفاجآت كبيرها وصغيرها حتى إذا كنّا قد بلغنا شأواً بعيداً في توقّع غير المتوقّع؛ وكما ردّ عليّ صديق - بادرته وأنا أزهو بتلك النصيحة "الثمينة" – فإن ما يتحقق مما نتوقّعه لا ينطبق عليه الوصف "غير متوقَّع"، وعليه فإن النصيحة "توقّعْ غير المتوقّع" تنطوي على مغالطة منطقية بحيث يصبح أفضل ما يمكن أن نخرج به منها هو أن نحاول ما وسعنا تقبّل كل ما يقع مستقبلاً ومحاولة التكيّف معه مهما يكن قاسياً أو مفاجئاً.
وكما أننا نصنع مستقبلنا بدرجات متفاوتة، فإننا – وتلك مفارقة داعية إلى التأمّل – نصنع ذكرياتنا بقدر عظيم. في "يا عجوز"، وتحت عنوان "أستاذ ورئيس قسم الذكريات"، مِلتُ إلى أننا على الأرجح "نصنع ذكرياتنا مهما بدا أن الأخيرة تُولَد عفواً من رحم الماضي، نحن نستبقي في خواطرنا ما نحب مما انصرم مكاناً وزماناً وندعوه الذكريات. نبدو كما لو كنا نمارس مع الماضي سياسة الكيل بمكيالين، نحن انتقائيون بامتياز فيما يتعلق بالذكريات. ورغم أن الذكرى من الممكن أن تكون غير سعيدة وغير حالمة فإننا نحب أن نستبعد ما على تلك الشاكلة من الماضي فلا ندرجه في تعريفنا للمصطلح ونكتفي في الذكريات بما هو جميل وأثير ولا نرهق أنفسنا بنحت مصطلح مستقلّ للذكرى غير الأثيرة حتى إذا لم يطوها النسيان".
إذا كان لا بدّ من المفاضلة بين الأمرين، فإن نزعة التطلّع الشديد إلى المستقبل أهون من الإفراط في التشبّث بالماضي، فالماضي لا يعود بحيث يصبح أقصى ما يمكن أن يمنحه التعلّقُ العاطفي الشديد به هو الذكريات؛ أمّا المستقبل فهو باستمرار قادم، ما يمنح عشّاقه من العمليّين أفضلية ترقّبه وامتلاكه على نحو متجدّد؛ وإن يكن ذلك مقابل ما يمكن وصفه بأفضلية من طراز مختلف للمولعين بالماضي، فهم أيضاً يترقّبون ماضياً متحقّقاً على نحو متجدد، لكنه لا يمنح عادة ما يمكن أن يُعوَّل عليه ماديّاً وإنّما مجرّد استمتاع/عزاء معنوي لا يخلو من الفائدة على كل حال.
وإذ نعود فننصح بالفعلَين المتناقضين معاً، فإن المنتصر الأكبر ليس أيّاً منهما بقدر ما هو الحاضر ذاته على الأرجح، وذلك كما يمكن أن نرى في القولَين التاليين بالعودة إلى استلهام "طريق الحكمة السريع":
• تظلّ سطوة اليوم في كونه القوة التي ألقت بالأمس فوقع، وتلقي بالغد ليقع.
• الآن: كلمة عمرها لحظة تعيش للأبد.