كانت المباراة حماسية بين منتخب مصر ونظيره المغربي ضمن تصفيات كأس العالم 2002، أعلن الحكم نهاية الشوط الأول، خرج مهاجم مصر مسرعاً إلى غرفة تبديل الملابس، لمحه بعض زملاؤه يحدث نفسه في إحدى زوايا الغرفة، أو بالأدق كان يلقي باللوم على قدمه التي خانته وأصيبت خلال المباراة، يرفض الاستسلام للألم والخروج من الملعب، حتى ولو كلفه الأمر تفاقم الإصابة.
تصرف مثير للدهشة، يمكن أن يتهم صاحبه بالجنون، أو نعتبره لاعباً أنانياً قد يتسبب في أن يفقد الفريق أحد عناصره، فلا هو غادر الملعب وترك مكانه لبديل أكثر منه جاهزية، ولا سيقدم الأداء المأمول بفعل تأثير الإصابة.
كل هذه الاتهامات لا فائدة لها إذا عرفنا إن اللاعب هو حسام حسن، الذي يقود منتخب مصر، مديراً فنياً في بطولة كأس العالم الحالية، وتحتضن مبارياتها ثلاث دول هي أمريكا وكندا والمكسيك، وسيكون منتخبنا، اليوم، على موعد مع مواجهة بلجيكا في أولى مبارياته ضمن دور المجموعات.
حسام حسن ليس فقط ذلك الشخص الذي يجري الحماس في عروقه بجرعات أكبر من المعدلات الطبيعية، بل يمكن أن نجزم أن حماسه تحول إلى مرض معد قد ينتقل إلى كل من حوله، أو "عفريت" يلبسه خلال المباراة ثم ينصرف بعدها، ما يجعله يرفض تقبل واحدة من أبجديات كرة القدم، وهي المكسب والخسارة.
نجح مدرب مصر في أن ينقل هذا المرض إلى لاعبي المنتخب، ونجح كذلك في أن يلبسنا "العفريت" ونحن نشاهد المباريات، نقفز من أماكننا، ننفعل، ندب الأرض بأقدامنا، دون أن نسعى لمعرفة خطة اللعب، ولا يشغلنا التوازن الدفاعي والفعالية الهجومية. تعجبنا فقط جرأة اللاعبين وإقدامهم مهما كانت قيمة ومستوى المنافس.
خلطة خاصة أنفرد بها حسام حسن. نعم لا يمكن أن تأتي تلك الخلطة بثمارها دون خطة لعب محكمة ومستوى فني وبدني جيد، لكن لو كان الحماس تهمة يلقيها المنتقدون في وجه مدرب المنتخب، فمرحباً بهذه التهمة التي جعلت منتخبنا يظهر نداً قوياً أمام البرازيل في مباراة ودية خاضها استعداداً للمونديال، بل وجعلت مرموش وياسر إبراهيم ومهند لاشين وغالبية اللاعبين يقاتلون من أجل الفوز، ومن خلفهم حارس يؤدي بثبات أمام نجوم العالم.
كان حسام حسن يقف على الخط، مدرباً ومشجعاً في نفس الوقت، لا يتوقف عن الصراخ والتوجيه، يقفز مع كل فرصة، ينتابه القلق مع كل هجمه ضد فريقه، يدفع إحدى قدميه للأمام، وكأنه يريد أن يسدد ركلة بدلا من لاعب. هذا الشغف المعدي انتقل سريعاً إلى أرض الملعب، فأصبحنا نرى المهاجم يرتد للدفاع والبديل حديث العهد بالمنتخب يقاتل عند نزوله وكأنه يشارك في نهائي بطولة كبرى وليس في مباراة ودية.
مرحباً أيضاً بالحماس إذا رفع سقف توقعاتنا بتحقيق الفوز أمام بلجيكا، وهو شعور أنتاب أغلبية الجماهير وعبروا عنه على مواقع التواصل الاجتماعي، وقالوا: (احنا مش أقل من المغرب)، في تأكيد على أن منتحبنا يمكن أن يفعل ما فعله المنتخب المغربي في أولى مبارياته المونديالية أمام البرازيل، حيث قدم أدء مبهراً وكان أقرب إلى الفوز برغم التعادل بهدف لمثله.
سنبقى محتفظين بذلك "العفريت"، نشاهد المباراة عبر شاشات التلفزيون، ننفعل وتحمر وجوهنا، ننهر لاعب متخاذل، ونشتم آخر أضاع فرصة هدف مؤكد، ونشيد بثالث إذا أجاد، وتظل رجولة الأداء هي ما تؤثرنا وتجعلنا لا نتوقف عن التشجيع مهما كانت النتيجة، ولن نلتفت إلى المصابين بالعنصرية الكروية، سواء مشجعين أو مسؤولين، ولن ننسى لهم كذلك أنهم رفضوا تشجيع المنتخب اعتراضاً على اختيارات حسام حسن في القائمة.
ربما ينجح هذا المدرب الوطني في أن يعيد منتخبنا إلى عصر البطولات التي غابت عنا منذ عام 2010، فهو شخص غير متوقع بالمرة، فقد كان حماسه الوقود الذي حرك مسيرته الاستثنائية، ولا ننسى في كأس الأمم الأفريقية، نسخة 1998، عندما قرر محمود الجوهري ضم حسام حسن إلى قائمة المنتخب، وقتها تعرض الجوهري لانتقادات كثيرة، أعتبره البعض أنه يجامل ابنه المدلل، وتساءلوا كيف يقود هجوم المنتخب في البطولة لاعب تخطى الثلاثين من عمره؟ خيب هذا الثلاثيني كل ظنونهم وعاد حاملاً اللقب الأفريقي ومعه إنجاز شخصي (هداف البطولة) برصيد 7 أهداف.
"فكرة الكورة عمومًا، وخصوصًا في مصر، مش حاجة بسيطة، الكورة مش مجرد لعبة، الكورة حياة" هكذا صرح حسام حسن في مقابلة مع موقع "فيفا" قبليوم واحد من لقاء منتخب بلجيكا، عكست هذه التصريحات وعي تام بقيمة الكرة بالنسبة للشعب المصري. هي فعلاً الحياة، والفوز في مباراة هو المعنى الحقيقي للفرحة.