عمرو منير دهب يكتب: اعتنِق المبدأ ولا تعتنقه.. الفصل الثاني والعشرون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

المبادئ تتجزّأ على غير ما ينادي به القولُ الشائع المغري بالتصديق رغم مثاليّته التي لا تصمد أمام التجارب الواقعية إذا كنّا أمناء ومنفتحين في قراءة ما تسفر عنه تلك التجارب ولم نكتف بالاستجابة المريحة لها بمزيد من المثالية الرعناء.

المبادئ تتجزّأ ليس فقط اعتباراً لمصلحة عُليا تقتضي التضحية بجزء أصغر لصالح القسم الأكبر من الكيان وتمرير منفعة ما مِن ثم، وليس لأن حِمْل المبادئ العظيمة ثقيل بالنظر إلى تبعاتها المادية والمعنوية؛ وبرغم أن السبب الأخير وجيه فإن تجزُّؤَ المبادئ يقوم أساساً على فكرة أنّ اكتمال أية حزمة من المبادئ يبدو في الأصل مستحيلاً، بحيث يصبح بالضرورة جزءٌ ما - أو بضعة أجزاء - من تلك المبادئ غير صالح للاندماج في الحزمة تحت هذا الظرف أو ذاك على اختلاف الأزمنة والأماكن.

غير أنّ تجزّؤ المبادئ ليس هدفاً في ذاته بطبيعة الحال، فنحن لا نعتنق المبادئ واضعين في اعتبارنا التخلّي عن بعضها مع أول منعطف/امتحان مبدئي؛ وإذا صحّ على سبيل الافتراض الجدلي أن مبدأ ما بإمكانه أن يظل (كلّه) صامداً كوحدة عضوية/معنوية متكاملة، فليس ثمة في المنطق ما يدعو إلى التخلّي عن بعضه. ولكن الصمود/التماسك المطلق لأيٍّ من المبادئ مسألة ظلت مستحيلة على مدى تاريخ البشرية، وذلك إذا أمكننا أن نكون متجرّدين في الحكم إلى أقصى الحدود المتاحة عبر محاكمة أي مبدأ بالنظر إلى ما تقوله عنه المبادئ الأخرى مجتمعة على وجه العموم.

تخلِّينا عن جزء/أجزاء بعينها من المبدأ الذي نعتنقه تحت ظرف بعينه لا يعني بالضرورة أن ذلك الجزء أو تلك الأجزاء لم تعد صالحة في كل الأحوال لأنْ تكون ضمن حزمة مبدئنا المكتملة، ولكن إذا اطمأنّ عقلنا/وجداننا إلى أن ذلك الجزء أو تلك الأجزاء لم تعد بالفعل صالحة أبداً فلا بأس، بل لا بدّ، من إقصائها من المبدأ الذي نعتنقه حتى إذا كان من شأن ذلك الإقصاء أن يتسبّب في إرباك شديد يقتضي إعادة صياغة للمبدأ بأسره وشجاعةً في تحمّل تبعات التزامنا السابق بتجلّياته على أرض الواقع. تلك ليست بالمهمة السهلة بحال، وما تتطلّبه من شجاعة فكرية/معنوية ليس هيّناً بدوره.

ماذا عن مأزق اكتشافنا أن المبدأ برمّته لم يعد صالحاً؟ تصبح المهمة عندئذٍ أشدّ صعوبة لا ريب، فالمواجهة لم تعد مع جزء أو بضعة أجزاء تقتضي إعادة صياغة أو حتى حذفاً وإنما مع الكلّ الذي شكّل وجداننا/عقلنا/حياتنا لأمد ليس بالقصير من حياتنا على الأرجح، فالمبادئ لا تسفر عن وجهها الآخر بين عشية وضحاها عقب اعتناقها. الأهم حينئذٍ أن ننتبه إلى أن الإقلاع عن مبدأ ما – لأيٍّ من الأسباب - لا يعني أنّ علينا البحث بعدها مباشرة عن بديله الأنسب، بل الأحرى أن نترك رئتنا العقلية/الوجدانية تتنفّس بمنأى عن أية سلطة فكرية/معنوية تجثم على أوعيتها الدموية.

ولكن المبادئ جُعلت لاعتناقها والوفاء لها، فليس عيباً أو خطأً أن نلتزم بمبادئنا التزاماً صادقاً؛ وفي الوقت نفسه – ودون الحاجة إلى بروز دواعي التشكيك في جزء/أجزاء من المبدأ – فإنَ ممّا يستحق وصفه بـ"الظاهرة الصحيّة" أن نترك مسافة بيننا وبين مبادئنا حتى نتمكن من النظر إليها نظرة شاملة وعميقة، فالواحد لا يرى مشاكل ما يعتنقه/يعانقه حرفيّاً؛ والمشاكل لا تعني بالضرورة خطأ فيما نعتقده أو نحبه، إذ كثيراً ما تكون المشكلة في طريقة تعاملنا مع ما نؤمن به أو نحبّه، وكثيراً ما يضرّ التعصّب بما نؤمن به ونحبّه أكثر ممّا ينفعه.

لأن الحقيقة متحركة وليست ثابتة، ولأن آراءنا/أهواءنا نفسها متقلّبة ابتداءً، فليس غريباً أن نجد ما نطمئن إليه ويروقنا كامناً في المبدأ وفي نقيضه، ليس بالضرورة مرةً هنا ومرةً هناك ولكن أيضاً بصورة متزامنة بحيث يعجبنا المبدأ ويعجبنا نقيضه في الوقت ذاته، فالمتناقضات مكوّنات رئيسة في تركيبنا متعايشة داخلنا، طوراً في حالة اشتباك وطوراً في سلام.

الالتزام ضرورة لا تقوم من دونها حياة، إنْ على الصعيد الشخصي وإنْ على المستويات العامة باختلافها؛ ولكن المرونة بدورها ضرورة ليست أدنى أهميّةً بحال من الالتزام. الأرجح أن ضرورتَي الالتزام (الخالص) والمرونة (الفائقة) تبدوان كما لو كانتا بمثابة النقيضين الأشدّ بروزاً اللذين يشكّلان امتحاننا بصورة جوهرية إزاء التعامل مع جميع متناقضاتنا الأخرى التي تنهض عليها الحياة.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])