بسام سرحان يكتب: “The odyssey” كيف أنقذ كريستوفر نولان السينما؟

لم يكن يعلم "هوميروس" الشاعر الإغريقي مبدع الملحمة الشعرية "الإلياذة" وتتمتها "الأوديسة" أنها سوف تتناقل من الشعراء المتجولين وهي تُحكى شفهياً على أنغام القيثارة إلى أن تُدوّن وقت ظهور الكتابة عندما تم دخول اللغة الأبجدية الفينيقية إلى اليونان القديمة بعد إبداع الملحمة الشعرية بأربعمائة عام، كذلك لم يعلم أنه سوف يمر ثلاثة آلاف عام لِتُعرض على شاشة IMAX في شيءٍ يُسمى سينما يشاهدها جمهورٌ من كل أنحاء العالم بواسطة مخرجٍ يُسمى "كريستوفر نولان" ويجسد شخصية "أوديسيوس" شخصٌ يسمى "مات ديمون" الذي من الصعب أن يكون هو الاختيار الأول حينما يتم السؤال عن من الذي من الممكن أن يجسد شخصية "أوديسيوس" اليوم؟ سيكون "مات ديمون" بلا شك غير موجودٍ في الأسماء المطروحة لأنه رغم نجوميته إلا أنه اختيارٌ غير متوقع، ولكن "نولان" يعرف كيف يخرج أفضل ما في الممثل مثلما حدث في هذا الفيلم من جميع أبطاله.

"الأوديسة" ملحمة إنسانية عن رحلة ضياع إنسان

أهم ما يميز فيلم “The odyssey” أنه فيلمٌ عن رحلةٍ إنسانية عميقة لبطلٍ تائهٍ يريد العودة إلى مصدر أمانه، وطنه وزوجته وابنه ليس عن بطلٍ عسكري يحارب الشرور وإنما عن بطلٍ غير مثالي يصاب بـ اللعنة نتيجة إغضابه للإله "بوسيدون" إله البحر وحينها تبدأ رحلة التطهير للبطل ليدرك أن خطيئته الكبرى كانت الغدر بسكان مدينة طروادة الذين استقبلوا هديته بسلام قبل أن يسفك بدمائهم ويعيث في أرضهم فساداً لينال عقابه ويصبح ملعوناً من الآلهة ويدرك أن ما فعله ليس انتصاراً وإنما هزيمةٌ لنفسه ليعود إلى رشده بعد عقابٍ دام نحو عقدٍ من الزمن.

من هو بطل حكايات كريستوفر نولان؟

القاسم المشترك في أفلام "نولان" هو تحويل رحلة البطل من صراعٍ خارجي إلى غايةٍ داخلية فعلى سبيل المثال "بروس واين" بطل ثلاثية "باتمان" لنولان يواجه صراعاتٍ خارجية مختلفة لتحقيق الأمان في مدينة "جوثام" ولكن الغاية التي يطمح إليها هي الاستقرار وتحقيق حلم مساعده "ألفريد" للاستمتاع بحياته مع حبيبته في فلورنسا بإيطاليا كـ "بروس واين" وليس "باتمان"، كذلك "أوديسيوس" في "الأوديسة" رغم دهائه وعبقريته العسكرية التي جعلته يستولي على مدينة "طروادة" وتحقيق النصر فإن غايته هي تحقيق حلم زوجته المخلصة بينيلوبي التي أبدعت في تجسيدها الممثلة البارزة "آن هاثاواي" بأن يتركوا العالم ويبحران سوياً في اتجاه أفق غروب الشمس في منفى اختياري بعيداً عن مدينتهم "إيثاكا" للاستقرار بعيداً عن صراعات العالم الدامية، لذلك تصبح الأسطورة الإغريقية وحكايات السوبر هيروز من حكايات الكوميك منتميةً لأي شخصٍ عادي يشاهدها ويشعر أنه جزءٌ منها، وهذه هي عبقرية "نولان" في السرد والتنفيذ لعرض حكايةٍ ضخمة غايتها بسيطة فيشعر الجمهور بالمتعة أثناء الرحلة والرضا عند النهاية.

السرد غير الخطي non linear Narrative

يعتمد "كريستوفر نولان" على السرد غير الخطي فيبدأ من منتصف القصة ثم ينتقل إلى بدايتها ليعيدنا مرةً أخرى إلى قرب نهايتها بأسلوب سردٍ غير خطي يلائم شغف "نولان" بالتلاعب بالأزمنة حتى وإن كان في فيلمٍ لا تعتمد حبكته على ذلك، وقد نجح هذا الأسلوب في "أوديسي" لأن الأسطورة بها حكاياتٌ متعددة على مدار عشر سنوات تُحكى من الحاضر إلى الماضي عن طريق "الفلاش باك".

كيف استطاع نولان إنقاذ السينما في عصر الـ reels والمقاطع السريعة؟

في زمنٍ يحني الكل رأسه فيه نحو هاتفه حيث تلتصق الأعين بالشاشات لساعات وتضيع فيه الأوقات والأيام وتتعفن الأدمغة، يظهر فيلم سينما مدته ثلاث ساعات ويتم حجز جميع المقاعد لتصبح الحفلات مكتملة العدد من جيلٍ نشأ على وسيلة تسلية واحدة من خلال الهاتف، هذا الجيل هو جيل z، حينما يستطيع شخصٌ عمل ذلك دون أن يتنازل عن معايير الحكي مثل أن يقلص عدد ساعات فيلمه أو يجعل المحتوى سريعاً دون تعقيد وبناءٍ يعتمد على إيقاعٍ غير متسرع مثل أغلب أفلام تلك الأيام حيث تشترط بعض المنصات الآن ذلك ليلائم جيل z وألفا وكذلك جيل الألفية فهذا وحده ينقذ السينما ويعرفنا حجم المخاطرة التي خاطرها "كريستوفر نولان" ونجح بها، كذلك يعلمنا أن تلك الأجيال تتعطش للمعنى أكثر من الأجيال التي سبقتها.

ربما في هذا الإنقاذ إنقاذٌ للعالم بأسره من سجن الهاتف الذي من الممكن أن يتم تركه إن وُجد المعنى.