عمرو منير دهب بكتب: خَفْ وكُنْ شجاعًا.. الفصل الحادي والعشرون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

إذا كانت ضرورة الشجاعة لا خلاف حولها بقدر يُذكر فإن ما لا يحظى باهتمام مقابل هو الإقرار بفوائد الخوف؛ وللدقة فإن ما ينقصنا هو الحديث عن تلك الفوائد، ففطرة الخوف أشدّ رسوخاً في نفوسنا من أن نفلح في إنكارها إنكاراً مطلقاً أو شبه مطلق عندما نكون بصدد مواجهة غير مصطنعة مع الذات.

يجد الحديث عن فوائد الخوف أحياناً سبيلاً إلى مجالسنا المغلقة، ولكنّ ما نحتاجه ابتداءً هو مواجهة أنفسنا بأوسع مدى ممكن حول مخاوفنا وليس مجرّد التباهي إقراراً بالمخاوف العظيمة التي لا مناص منها مما يجسّد الضعف الإنساني بصفة عامة.

الخوف أشكال وألوان، أو – للدقة – أنواع ودرجات؛ فمن الطبيعي إذن أن تتباين استجاباتنا تجاه ما يخيفنا. وليس نادراً أن نجد أن ما يخيف أحدَنا لا يخيف الآخر بالضرورة ولو كان ذلك الآخر قريباً منّا بشكل أو آخر، كما إن درجات خوفنا من الشيء نفسه – وربما طبيعة ذلك الخوف أيضاً - متباينة تبايناً عظيماً، حتى إن ما يشكِّل كابوساً لشخص بعينه لا يكاد قريبُ ذلك الشخص أو صديقُه يعيره انتباهاً ذا بال في كثير من الأحيان.

تتباين مخاوفنا إذن بدرجات عظيمة التفاوت، لكننا جميعاً نخجل من (إعلان) تلك المخاوف – بدرجات متفاوتة بدورها – في الغالب؛ وإن يكن من بين مخاوفنا ما لا نستحي من الحديث عنه بتلقائية كخوفنا على مَن نحب أو على المساس بما نؤمن به من القيم؛ ومن تلك المخاوف ما نزهو بإعلانه في تواضع مصطنع، ومنها ما نحب أن نحتفظ به لأنفسنا حتى إذا كان هيّنا لا تدعو المجاهرة به إلى شيء من الخجل.

للخوف إذن فوائد بصرف البصر عن أنواعه، بل – للدقة - بمراعاة تلك الأنواع بالضرورة، إذ لا يمكن الحديث عن فوائد الخوف إلّا في ظلال نوعه، وربما باعتبار طبيعته في كل موقف بصورة محدّدة.

وإذا كان ما أشرنا إليه فيما مضى من الحديث عن أنواع الخوف يتّصل في مجمله بما هو شخصي/نفسي لكل منّا على حدة، فإن من أنواع الخوف ما هو جماعي يشترك فيه الناس في محيط جغرافي أو ثقافي/معنوي بعينه أو ضمن إطار عام يكاد يجمع بني آدم وبنات حواء قاطبةً.

خشية السلطة – أية سلطة – من ضروب الخوف التي تَجمع البشر في مختلف بقاع الأرض وعلى مرّ العصور؛ وإذا كان من الطبيعي أن تتباين درجات ذلك النمط من الخوف وأشكاله فإن حساب السلطة لا يمكن تجاهله تماماً بأيّة حال في أيّ زمان ومكان. وبتجاوز أشكال التسلّط الجائرة التي لا خلاف يُذكَر حول آثارها المدمّرة، يبدو الخوف من السلطة – وليس احترامها وتقديرها فحسب - من أهم أنواع الخوف التي لا غنى عنها لضمان استقامة الحياة ضمن أي مجتمع في أي نطاق كان، رسمياً أو شعبياً أو اجتماعياً على اختلاف البقاع والأزمان، فمن دون الخوف من عواقب مخالفة القانون – الرسمي أو الشعبي/الاجتماعي/العرفي – سيستجيب كل واحد لقانونه الخاص (أو لقانون المجتمع وفق تفسيره الشخصي) فينفلت المجتمع؛ وإذا كان من المستحيل تقريباً أن يضع حرفياً كل واحد قانوناً خاصاً لنفسه فإن من الممكن ببساطة أن تضع فئات متعددة من الناس – ضمن أي مجتمع – نُظمها المستقلة أو على الأقل تكيّف استجاباتها الخاصة لقوانين المجتمع في الإطار الذي تعيش فيه على أي صعيد بما يوافق مصالحها/أهواءها.

وإذا كان الخوف من السلطة – بأي شكل وأية درجة - ضرورة لقيام واستمرار أي مجتمع، فإن الشجاعة - ليس التمرّد بالضرورة – إزاء السلطة لا تعدم فوائدها العظيمة، فمن دون تلك الشجاعة كنّا سنظل تحت رحمة/قسوة أوّل سلطة عرفها التاريخ.

بالعودة إلى أنماط الخوف على المستويات الفردية نجد أن خوفنا من ضيق/انزعاج مَن نحب كثيراً ما يبدو بمثابة السبب الرئيس في الحفاظ على العلاقة الوطيدة خلال هذا المنعطف وذاك عند اختلاف الرؤى وتقلّب الأمزجة. كذلك، فإن خوفنا من أن نفقد وظيفة نتّكئ عليها لتأمين قوت يومنا والأيام التالية هو ما يجعلنا "متعقّلين" في مواجهة المضايقات اليومية التي لا يخلو منها محيط عمل والتي كثيراً ما تبلغ مستويات مضجرة كنّا نخال أنفسنا من قبل عاجزين عن تحمّلها.

أفضنا نسبياً في الحديث عن (بعض) فوائد الخوف لأن أدبيّات تنشئتنا – ومرجعيات التنشئة وإدارة شؤون الحياة بصفة عامة على اختلاف الأماكن والأزمنة والمقامات – لا تبخل بالحديث عن فوائد الشجاعة؛ وإن يكن الأدق أن الشائع هو الحض على الشجاعة وتمجيدها – لا الحديث عن فوائدها – على أساس أن فوائد الشجاعة مما هو معروف من القيم والمبادئ بالضرورة/البداهة.

بذلك في الاعتبار، لا بأس بأن نكون شجعاناً، ولا حاجة إلى المزيد من التذكير بفوائد الشجاعة المعنوية، وإن تكن عوائدها المادية مثار اختلاف وخلاف على الأرجح؛ غير أن ما يستدعي التذكير به – وربما الحضّ عليه – هو الخوف وفوائده على نحو ما عرضنا لبعض أشكاله فيما مضى، فالإقرار بمخاوفنا ومواجهتها للنظر في الطريقة المثلى للتعامل معها وتجنّب الإعلان الزائف عن قهرها مسائل تستدعي قدراً عظيماً من المرونة والثقة، قدراً عظيماً من شجاعة أن نخاف.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])