عمرو منير دهب يكتب: تَواضَعْ وتَباهَ.. الفصل السابع عشر من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

سألتِ المذيعة ضيفَها المخرج العربي الكبير سنّاً ومقاماً خلال لقاء تلفزيوني ضمّ قبل قرابة ربع القرن مشتغلين بالحقل السينمائي عن أهم إنجازاته بوصفه من جيل الروّاد، فكسا المخرجُ ردَّه حُلّةً من التواضع - معتادة في ثقافتنا - وقال كلاماً من هذا القبيل: أنا لم أقدّم شيئاً، فقط حاولت وبذلت قصارى جهدي.

تلقّف ناقد شاب من ضيوف اللقاء "اعترافَ" المخرج الخطير هذا وبدأ كلامه عندما سألته المذيعة عن رأيه في إسهام جيل الروّاد فقال: تماماً مثلما قال الأستاذ، هم لم يقدّموا شيئاً. انتفض المخرج الكبير مقاطعاً: ما هذا الكلام الذي تقوله؛ فردّ الناقد الشاب: أنت قلت ذلك بـ"عظمة لسانك"؛ فبادر المخرج المخضرم منزعجاً: أنا قلت ذلك من باب تواضعي، لكن لا لا، لقد قدّمت وجيلي الكثير الكثير للسينما العربية.

بالنسبة للمخرج الكبير، وقع أحد أسوأ الاحتمالات ولم يتحقّق السيناريو الأمثل الذي كان يتوقّعه، فقد كان الطبيعي - بالنظر إلى تقاليدنا الثقافية والاجتماعية - أن يعمد الناقد الشاب إلى ما قاله المخرج "المتواضع" بالنفي على سبيل الاحترام، مؤكّداً إنجازات المخرج الشخصية وإنجازات جيله ومعزّزاً قيمة تلك الإنجازات فيمنح مخرجَنا الكبير بذلك ما يصادق على صورة التواضع التي أراد رسمها لنفسه توريةً قبل أن يعود مضطرّاً فيؤكّدها حرفيّاً (قلت ذلك من باب تواضعي) مُتْبِعاً تأكيدَه بقائمة مختصرة من الإنجازات الداعية إلى التباهي.

لا نحب أن ينهض عنّا الآخرون بعبء التواضع فحسب وإنما نحبهم كذلك – بصورة موازية - أن يحملوا عن كواهلنا ثِقل الفخر؛ فنحن أشدّ ارتياحاً عندما يؤكد الآخرون أننا متواضعون لا عندما نضطرّ نحن إلى تكرار التلميح إلى تواضعنا قولاً والإتيان بما يدلّ عليه من الأفعال؛ كذلك فإن الأبعث على شعورنا بالسعادة هو حديث الآخرين عن إنجازاتنا الرفيعة وليس إفاضتنا في الكلام عمّا قمنا به حين لا نجد من يلتفت إلى صنائعنا متعمّداً أو جاهلاً.

والحال كتلك، هل التواضع صفة أصيلة في الإنسان؟ بكلمات أخرى، أيهما الأشدّ تجذّراً في النفس البشرية: التواضع أم الغرور؟

من الصعب – كالعادة – مقاومة إغراء الإسراع إلى تلقّف الغرور على أنه الأشد تأصّلاً، والغرور ليس سوى مرادف "الأنا" EGO بالمعنى الشائع دلالة على التمحور حول الذات، ولكن بالاقتراب من مفهوم فرويد الشهير عن الشخصية يبدو الغرور بمثابة "الهو" ID الذي ينحاز إلى الذات انحيازاً كاملاً فتكبته "الأنا" في محاولة للموازنة بين رغبات الذات الجامحة (الهو) وضوابط المجتمع ومثله العليا (الأنا العليا SUPEREGO)؛ وبذلك يبدو التواضع أشدّ ارتباطاً – أو ربما حصريَّ الارتباط - بالأنا العليا بوصفه قيمة أخلاقية محضة، في حين يبدو عمل "الأنا" الدؤوب متمثّلاً في تأرجحنا/محاولاتنا المضنية للموازنة (المستحيلة) بين نزعة الغرور المتأصلة وفضيلة التواضع المكتسبة/المفروضة.

استمراراً في استلهام نموذج فرويد هذا، يبدو من السهل ردّ كل طرفي نقيض - ممّا عرضنا له سابقاً وممّا سيلي في المقالات القادمة – إلى "الهو" و"الأنا العليا"، بحيث تستحوذ "الهو" على الطرف "الشرير" وتعمل "الأنا العليا" على دعم أو ربما – للدقة – اختراع الطرفَ الخيّر؛ وإن يكن من الواجب الاستدراك بأنه ليس من السهل الفصل بين مفهومَي الشر والخير بتلك البساطة.

على كل حال، نبدو في مقامنا هذا وكل ما سبقه وما سيليه إزاء متناقضاتنا كما لو أنّنا نتناول معضلة "الأنا" الحائرة بين كل متناقضين؛ وإن كنّا لا نتناول تلك المتناقضات بغرض البحث في كيفية الموازنة بصفة عامة بقدر ما نميل إلى المفاضلة بحسب ما يقتضيه كل موقف مع كل متناقضين على حدة، وبحيث نحضّ على التعامل مع السلوكين المتناقضين في أي مقام دون حرج وبأقصى درجات التصالح مع الذات مهما يكن مدى ما يقتضيه المقام من الميل إلى أيٍّ من طرفَي النقيض على حساب الطرف الآخر، فالخير والشر نسبيّان أبعد مما نخال في حساباتنا على اختلاف المقامات مهما ندّعِ الانفتاح.

مع متناقضَينا في هذا المقام تحديداً، يبدو أن الكثير من المواقف يدفع بصورة تلقائية إلى إظهار الفخر بإنجازٍ عظيم تحقّق أو صفة راسخة في النفس داعية إلى الإعجاب، وذلك بما لا يستدعي الاستنكار من قبل المجتمع (الأنا العليا) أو أيٍّ من أطيافه بقدر ذي بال؛ غير أن الأهم هو القدر العميق من الاعتزاز بالنفس الذي ينبغي أن يحتفظ به كلٌّ منّا داخله باستمرار، وهو ما لا يبلغ بالضرورة الحدّ الذي يجعله نقيضاً للتواضع، وإن يكن من الأهمية بمكان الاحتفاظ بشعور الاعتزاز بالنفس حتى إذا بدا للبعض مناقضاً لتواضع ليس ثمة ما يدعو إلى تكلّفه في أيٍ من المقامات.

يبرز التواضع في العادة استجابةً لما يطمح إليه/يطمع فيه الفرد من رضا مَن حوله، وهو بالفعل صفة لا تخلو من فوائد عظيمة، فبدون لجام التواضع تغدو استجاباتنا المناقضة حين نزهو – حتى إذا كان زهونا مستحقاً – منفِّرة للآخرين ممّن لا مناص من التعامل معهم وكسب ودّهم حولنا.

لا بأس بالتواضع إذن، بل لا بدّ منه؛ ولكن من المهم أن نتجنّب المبالغة في التواضع حتى لا ينكشف زيفُ استجابتنا لـ"لأنا العليا"؛ فإذا كان من الصعب/المستحيل أن تتّسم ردّات فعلنا تجاه ما يفرضه المجتمع من قوانين وقِيَم بالصدق الكامل فمن الضروري أن نحرص على أقصى ما يمكن من درجات الفطنة والحكمة ونحن بصدد تلك الاستجابات.

وإذا كان الاعتزاز الرصين بالنفس صفة يجب أن تكون متّصلة في سلوكنا، فقد ينشأ من المواجهات على الصعد العملية – وحتى الاجتماعية – ما قد يستدعي أن نُظهر من اعتدادنا وتباهينا قدراً عالياً لا مناص منه لإفحام خصوم يقدّرون القوة والثقة أكثر مما يولون البساطة واللين من الاعتبارات. وسيكون رائعاً بطبيعة الحال أن نتمكّن من الاحتفاظ باستمرار بمزيج منضبط من النقيضين – كما هو الحال مع كل المتناقضات – صالح لكل مقام، أو قابل للتعديل/الضبط التلقائي بحسب ما يقتضيه كل موقف؛ وهذا وضع مثالي لا يعيبه سوى أنه مستحيل التحقق. لذلك تواضعْ وتباهَ بحسب ما تراه مناسباً لكل مقام ولا يزعجنّك أن الكمال مستحيل؛ تلك على الأرجح نعمة؛ فالكمال – بافتراض إمكانية تحقيقه على أي صعيد – لا يبدو باعثاً على الرضا والسعادة على غرار ما تهيّئه وتزيّنه لنا الأنا العليا.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])