قبل أسبوع من الحسم النهائي لانتخابات التجديد النصفي لاتحاد الناشرين المصريين، المقرر عقدها يوم الإثنين الموافق 8 يونيو 2026، أجرى إعلام دوت كوم حوارًا مع الشاعر والناشر أحمد البوهي، أحد مؤسسي دار دون للنشر والتوزيع والمرشح لعضوية الاتحاد، وفيما يلي أبرز تصريحاته:
- كيف ترى المشهد الحالي لصناعة النشر في مصر؟
أرى أن صناعة النشر في مصر تمر بمرحلة استثنائية، ومع ما تمتلكه من تاريخ ثقافي عريق وقوة ناعمة لا ينكرها أحد، إلا أنها في الوقت نفسه تواجه تحولات كبيرة فرضتها عده عوامل أهمها تغير سلوك القارئ والضغوط الاقتصادية وكذلك تشهد تحولًا رقميًا كبيرًا. ورغم التحديات إلا إن المشهد يحمل فرصًا حقيقية للنمو، خاصةً مع تطور النشر الرقمي وزيادة الوعي مؤخرًا بأهمية المحتوى ودوره الكبير، مع وجود جيل جديد من الناشرين أكثر قدرة على الابتكار وأكثر مرونة مع تذليل التحديات. لذلك أرى أن مستقبل النشر في مصر سيكون معتمدا بشكل كبير للأكثر قدرة على التطور وفهم القارئ جنبًا إلى جنب مع المقدرة القوية على صناعة قيمة حقيقية حول الكتاب.
- باعتبارك من رواد جيل الناشرين المؤثرين في المرحلة الزمنية الأخيرة .. كيف ترى تواصل الأجيال وأثره في صناعة النشر؟
طوال الوقت أري أن قوة أي صناعة ترتبط بقدرتها على خلق حوار حقيقي بين الأجيال القائمين عليها. وفي صناعة النشر تحديدًا، نحن نحتاج شراكة أجيال مستمرة؛ خبرة الجيل المؤسس ورؤيته العميقة للصناعة وتحدياتها وفرصها، مع الطاقة الكبيرة للجيل الجديد وأدواته المختلفة وطموحاته الجديدة. وأرى أن جيل الوسط تحديدًا يحمل مسؤولية هامة، فهو يقف في منطقة توازن مؤثرة؛ هذا جيل يفهم لغة الخبرة، يقدرها ويحترمها، وفي الوقت نفسه يدرك تحولات السوق وسلوك القارئ الجديد والثورة الرقمية. لذلك أرى أن مستقبل النشر سيكون أكثر قوة كلما نجحنا في تحويل ما قد يراه البعض فجوة بين الأجيال، إلى مساحة للتكامل البناء.
- من وجهة نظرك ما هي التحديات الحالية وتأثيرها على الكتاب الورقي؟
التحديات الحالية بالتأكيد فرضت ضغوطًا كبيرة على الكتاب الورقي. بدايةً من ارتفاع تكاليف الإنتاج والطباعة وغيرها، ثم مرورًا بتغير أنماط الاستهلاك الثقافي، وصولًا إلى المنافسة المتزايدة من المحتوى الرقمي السريع الذي يُسبب إشباعًا مؤقتًا للقارئ الحديث. لكنني لا أرى أن الكتاب الورقي في مرحلة إعادة تعريف لدوره وقيمته. بل أؤمن أنه كلما زادت الانتشار الرقمي ووسائطه، ظل هناك احتياج إنساني لتجربة القراءة العميقة والملموسة والأصيلة.
التحدي الحقيقي اليوم ليس في بقاء الكتاب الورقي، أنا مؤمن بشده أنه سيبقى، لكن التحدي هو كيف نجعل وصوله أكثر سهولة، وكيف نزيد من ارتباط القارئ به. وكيف يصبح أكثر توافقًا مع المتغيرات الجديدة. وليس أحدهما بديلًا للآخر.
- كيف ترى التغيير وما هي رؤيتك نحو مستقبل المهنة؟
التغيير لمجرد التغيير لا يجب أن يتحول إلى هدف في حد ذاته؛ إنما هو أحد أدوات التطوير والاستعداد للمستقبل، فالتطوير من خلال رؤية استراتيجية واضحة يتيح الاستفادة من كل ما هو هام. ولا ينبغي أن نغفل خبرات من سبقونا لمجرد فرض فكرة التغيير، التغيير الحقيقي لا يعني التخلي عن الماضي، إنما هو شكل من أشكال التطور المدروس بحرص؛ كتطوير أدوات الصناعة مثلًا مع الحفاظ على جوهر رسالة النشر وأهمية الكتاب.
ورؤيتي لمستقبل المهنة تقوم على إمكانية صناعة نشر أكثر مرونة وأكثر قدرة على الابتكار، تستفيد من التكنولوجيا دون أن تفقد روحها الأصيلة، لتبني جسورًا أقوى مع القارئ الجديد. والمستقبل في تقديري سيكون لمن يملك مقدارًا مناسبًا من التكيف مع مقدرة حقيقية على خلق القيمة، النشر ليس مجرد تجارة كتب، بل صناعة إبداع ومستقبل، ومن يمتلك رؤية لتحويل التحديات الحالية والمستجدة إلى فرص للنمو والتأثير، سيكون أكثر ثباتًا ورسوخًا في المستقبل.
- وما هي رؤيتك لمفهوم التنافسية في هذه الصناعة؟
هذا سؤال مهم ودعني أطرح مثالًا بسيطًا يوضح رؤيتي للتنافسية في صناعة النشر،
عندما يقوم أحد الناشرين بنشر كتابًا في علم النفس أو الفلسفة مثلًا ويقوم ناشر آخر بنشر كتابًا في علم النفس أو الفلسفة أيضًا، فإنهما لا يتنافسان بالضرورة، لأن كل عمل معرفي يُعتبر فريدًا من نوعه ويقدم رؤية خاصة به، وبنفس الصورة في الكتب الأدبية والعلمية وغيرها.
وتكمن المنافسة هنا في مدى أصالة المحتوى. ولذلك أرى أن التنافسية دافعًا مهما للتطوير والابتكار. فكلما ارتفع مستوى المنافسة، ارتفعت جودة المحتوى، وتطورت أدوات التسويق والتوزيع، وزادت مساحة الاختيار وفرصها أمام القارئ.
لكن المنافسة الحقيقية من وجهة نظري ليست في عدد الإصدارات أو حجم الانتشار فقط، بل في القدرة على بناء قيمة مستدامة، واحترام عقل القارئ، وهي القدرة على صياغة مشروع ثقافي يمتلك هوية واضحة وتأثيرًا طويل المدى. وفي النهاية، نجاح أي دار نشر يُضيف قوةً للمشهد بشكل كبير، نحن في صناعة تقوم على المعرفة، وكل تطور فيها ينعكس على الجميع.
- من خلال حديثك ترى أن النشر يحتاج إلى رؤية استراتيجية، فما هي رؤيتك الاستراتيجية لصناعة النشر في مصر؟
أعتقد أن صناعة النشر في مصر تحتاج اليوم إلى الانتقال من إدارة التحديات اليومية إلى بناء رؤية استراتيجية طويلة المدى. ورؤيتي تنطلق من أن النشر لم يعد مجرد صناعة كتاب، بل صناعة معرفة واقتصاد إبداعي.
استراتيجيًا، نحن بحاجة إلى العمل على عدة مسارات متوازية: تطوير منظومة التوزيع، الاستثمار في التحول الرقمي وفتح مسارات جديدة للكتاب الورقي، إضافةً إلى دعم الكفاءات وتأهيل جيل جديد من العاملين في المهنة، وبناء شراكات حقيقية بين الناشرين والمؤسسات الثقافية والتعليمية والاقتصادية.
كما أؤمن أن مستقبل الصناعة يرتبط بقدرتنا على فهم القارئ الجديد، وتحويل القراءة من منتج موسمي إلى عادة مستدامة. إن مصر تمتلك تاريخًا عريقًا وثقلاً ثقافيًا كبيرًا، وما نحتاجه هو رؤية أكثر تكاملًا تجعل صناعة النشر أكثر قدرة على النمو، والاستدامة، والتأثير محليًا وعربيًا، وعالميًا.
- كيف يمكننا عمل خطة استراتيجية واضحة المعالم في النشر؟
أي خطة استراتيجية حقيقية لصناعة النشر يجب أن تبدأ أولًا من فهم دقيق للواقع. البداية تكون بقراءة دقيقة للتحديات والفرص، والاستماع لأصوات جميع أطراف الصناعة؛ الناشر، الموزع، الكاتب، والقارئ، إضافةً إلى العاملين داخل الصناعة.
بعد ذلك، نحتاج إلى أهداف واضحة وقابلة للقياس: ماذا نريد بعد ثلاث أو خمس سنوات؟ هل نستهدف زيادة معدلات القراءة؟ توسيع الأسواق؟ تحسين اقتصاديات الصناعة؟ دعم التحول الرقمي؟
ثم تأتي مرحلة بناء مسارات تنفيذية واضحة، تتضمن التشريعات، والتدريب، والشراكات، مع تطوير أدوات التسويق والتوزيع.
وفي تقديري، نجاح أي استراتيجية في النشر لا يعتمد فقط على جودة الرؤية، بل على الاستمرارية والتكامل والعمل المؤسسي؛ لأن صناعة بهذا العمق لا تُدار بردود الأفعال، وإنما برؤية طويلة النفس؛ رؤية تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من المعرفة. ومن هذا المنطلق يمكن كما قلت سابقًا أن تتحول تحديات الصناعة نفسها إلى فرصًا يمكن استغلالها لصالح صناعة النشر.
- تذكر كثيرًا فكرة التواصل بين الناشرين، كيف ترى أهمية هذا التواصل وانعكاسة على الصناعة؟
أؤمن أن قوة صناعة النشر لا تُبنى فقط على قوة كل دار نشر بمفردها، وإنما قوة العلاقات والتواصل بين الناشرين أنفسهم. إننا في النهاية نعمل داخل منظومة واحدة، وأي تطور أو تحدٍ ينعكس على الجميع.
التواصل الحقيقي بين الناشرين يخلق مساحة كبيرة لتبادل الخبرات، وتنسيق الجهود، وطرح حلول جماعية للتحديات المشتركة، سواء في التوزيع أو التشريعات أو المعارض أو التحول الرقمي. كما أنه يحدّ من فكرة العمل الفردي، ويعزز مفهوم الشراكة المهنية.
كما أن التواصل المستمر والفعال يصنع انتماء للقرارات المتعلقة بصناعة النشر.. حتى لو كان هناك اختلاف حول هذه القرارات.. فاختلاف الآراء ضرورة في الصناعات الإبداعية. والانتماء إلى القرارات ضرورة تحتاج إلى تواصل مستمر.
وفي تقديري، كل صناعة قوية في العالم بُنيت على التعاون أكثر من التنافس. وعندما يصبح هناك حوار مستمر وثقة متبادلة بين الناشرين، تصبح الصناعة أكثر قدرة على التطور، وأكثر استعدادًا لمواجهة التغيرات وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وتأثيرًا.
كما أرى أن دور اتحاد الناشرين المصريين دور محوري وأساسي، لأنه مظلة مهنية تمثل مصالح الناشرين وتدافع عن الصناعة وتعمل على تطويرها. وفي ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها قطاع النشر، أصبح دور الاتحاد أكثر أهمية من أي وقت مضى.
الاتحاد من وجهة نظري يجب أن يكون مساحة للحوار، وجسرًا بين الناشرين والجهات المختلفة، ومحركًا للتطوير المهني والاستراتيجي، سواء عبر دعم التشريعات، أو حل التحديات المشتركة، أو فتح فرص جديدة للنمو والتعاون.
كما أؤمن أن قوة الاتحاد تبدأ من قوة جمعيته العمومية، وتنوع خبراتها، وقدرته على الاستماع لجميع الأصوات والعمل بروح المشاركة. فكلما كان الاتحاد أكثر قربًا من احتياجات أعضائه، كان أكثر قدرة على صناعة أثر حقيقي دائم في مستقبل النشر المصري.