النصيحة التقليدية بعدم تدليل الأبناء معروفة ومبجّلة في ثقافتنا، فما هي مشاكل هذه النصيحة؟ وما المعضلات الكامنة في النصيحة المضادة بضرورة تدليلهم؟
إذا كان المقصود بعدم التدليل هو تحاشي الإفراط فيه، فإن تجنّب التدليل تماماً ثقافة لم تكن بالغريبة على مجتمعاتنا خاصة فيما يتعلّق بتنشئة الأبناء الذكور، وبصفة أكثر وضوحاً في الماضي قبل أن تدهمنا مؤخّراً أصولُ التربية الحديثة التي تركِّز في التنشئة على مفهوم الطفولة أكثر من الانصراف إلى جنس الطفل ذكراً أو أنثى.
فرّقتْ الاتجاهات الحديثة بصفة عامة بين أهمية منح الطفل ما يحتاجه من الحب وإظهار ذلك له بوضوح وبين خطورة الإفساد بالتدليل بوصفه تساهلاً في قواعد التنشئة؛ حتى إن تلك الاتجاهات بدت على الأرجح أشدّ صرامة من أدبيّاتنا التقليدية من حيث وضع الخطوط الفاصلة بين المسموح به وبين المنهي عنه، سواءٌ بصفة مطلقة في حياة الطفل أو ما كان على سبيل التقنين ضمن جداول زمنية على مدار اليوم أو الأسبوع أو الشهر أو السنة.
بذلك، فإن اتجاهات التربية الحديثة تسير بصفة عامة مع متناقضَينا هذه المرة بتصالح واضح، بصرف البصر عن التفاصيل المختلف حولها باختلاف المدارس المتعددة بطبيعة الحال، ذلك أن التفاصيل لا بدّ من أن تكون موضع اختلاف لا يُفترض أن يفسدّ لودّ الآباء والأبناء "الحديثين" قضية، ومن قبلُ لا يجب أن يُفسد موضوعية المقاربات التربوية المختلف عليها بدورها بين العلماء أنفسهم؛ وإن يكن مستوى التصالح مع متناقضَينا (التدليل والصرامة) يقلّ لا ريب بالإيغال في التفاصيل، ولكن في الغالب ليس بما يفضي إلى ضياع أو حيرة الآباء المؤمنين بالحداثة وما بعدها من نظريات ومناهج تربية الأطفال واليافعين.
كلاسيكيّاتنا التربوية هي التي تصطدم صراحةً بمتناقضة التدليل والصرامة التربوية، وهي صراحة لا تعدم الثقة، فالمؤمنون منّا بالمقاربات التقليدية لا يتداولونها ويمارسونها خفاءً وإنّما عياناً جهاراً، لا أقول في ثقة فحسب وإنما أيضاً مستنكرين صنيعَ كل من ينادون بغير ذلك من عشّاق الحداثة. ولكن الدقة تقتضي الإقرار بأن التربية الحديثة الحاضّة على تفهّم الصغار واحترام آرائهم (وليس العطف عليهم فحسب) قد باتت أكثر شيوعاً وقبولاً وإنْ بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال في مجتمعاتنا.
التدليل في ثقافتنا التقليدية ظلّ يُنظر إليه بوصفه مرادفاً للإفساد. مهما يكن، فإن مهمة التربية تصبح أشدّ صعوبة بأخذ حقوق الأطفال الحديثة كاملةً في الاعتبار، فالأيسر لا ريب النظر إلى الطفل بوصفه كائناً ضعيفاً جديراً بالحماية ومستحقاً التوجيه، له – على الصعيد المعنوي - بضعة حقوق أبرزها العطف، وعليه واجبات أهمّها الاحترام المطلق للكبار والانصياع التامّ لآرائهم "السديدة" لما فيه مصلحته الشخصية ومصلحة مجتمعه.
ولكن مناهج التربية الحديثة لم تزعم أنها أنشئت لتجعل مهمة تربية الصغار أسهل، بل وُضعت تلك المناهج للنهوض بمهمة التربية على الوجه الأمثل حتى إذا كان ذلك بإلقاء المزيد من المسؤوليات والتعقيدات على كواهل الوالدين والمربّين لما فيه مصلحة الطفل الشخصية ومصلحة مجتمعه على حّد سواء.
بصرف النظر عن تفاصيل ثقافاتنا التقليدية ومقاربات مناهج التربية الحديثة والتصادم الذي لا يزال واضحاً بينها على أكثر من صعيد تربوي وقِيَمي، يواجه كلٌّ منّا مأزق متناقضة التدليل والصرامة بدرجة أو أخرى، وذلك بتجاوز المدرسة التي ينتمي إليها أيٌّ منّا قديمةً كانت أم حديثة. والواقع أن متناقضتنا التربوية هذه لا سبيل إلى فكّ شفرتها تماماً كما هو الحال مع سائر متناقضات وجودنا التي يسير طرفاها جنباً إلى جنب فلا يُقصي أحدهما الآخر على مدى مشوار الحياة/الوجود بحيث يشكّل ذلك الاتحاد المتنافر معضلة داعية إلى الحيرة وباعثة على الإلهام في الوقت نفسه.
وبصرف النظر عن معتقداتنا وخياراتنا مع مقاربات التنشئة، نقوم جميعاً – فيما لا يخلو من الحكمة – بالمزج بين التدليل/التساهل والصرامة/الحزم تجاه صغارنا ويافعينا بدرجة أو أخرى، ليس فقط اختلافاً من شخص إلى آخر وإنما كذلك بحسب طبيعة الموقف موضع التقييم. وإذا بات معروفاً أنه لا مناص من أخذ طباع الأطفال الشخصية في التنشئة، فإن ما نغفله عادة هو تأثير عامل لا يقلّ أهمية: طباعنا نحن الوالدين والمربّين.
نحن إذن إزاء تربية صغارنا ويافعينا - وتحديداً مع متناقضة التدليل والحزم – بصدد تحدّيين: طباع صغارنا وطباعنا نحن؛ نفطن إلى التحدّي الأول ولا ننجح فيه دوماً بالضرورة، وغالباً ما نجهل/نتجاهل التحدّي الآخر ولا ننجح فيه كذلك بالضرورة.
دلّل أبناءك بلا حرج لأن ذلك حقّهم عليك، وكن حازماً معهم بلا حرج لأن ذلك حقهم عليك أيضاً. الأهم دوماً أن تفطن إلى أن تحديد مواضع الصرامة/الحزم واللين/التساهل هو أساس التربية الذي يستحق منك اهتماماً بالغاً بصرف البصر عمّا تحب أن ينشأ عليه صغارك من المبادئ، فكن منفتحاً ومرناً إلى أبعد الحدود في استيعاب ما تقوله المدارس على اختلافها في هذا الصعيد؛ عندها ستنسرب إليك الطريقة المثلى للتمييز بين مواضع التدليل وبين مواضع الصرامة من تلقاء نفسها، دون أن يعني ذلك أن مأزق المتناقضة قد انتهى، فمتناقضات وجودنا هي قدَرنا الذي لا مناص من استمراره، امتحاننا الذي لا سبيل إلى الحصول فيه على علامة كاملة مهما نبلغ من المعرفة ونتباهَ بادّعاء الانفتاح.
للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])