عمرو منير دهب: توسّطْ وغالِ.. الفصل السادس عشر من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

تغدو الأشياء مثيرة للإزعاج والقلق عندما تتجاوز متوسّط ما يعتاده الإنسان منها، لكنها لا تكون ضارة بالضرورة، بل إن المنجزات الاستثنائية على كل صعيد تتحقّق بالمبالغة وليس التوسّط، ففي الوسطية يكمن الخير وفي التطرّف تكمن الحقيقة كما أشرنا في "طريق الحكمة السريع"؛ والخير الكامن في الوسطية إشارة إلى النجاة والسلامة بصفة عامة، في حين أن المراد بالحقيقة الكامنة في التطرف هو ما يتبدّى لنا عندما نتجرّأ على كسر قيود السلامة التي تحول دون انطلاقنا إلى اكتشاف الجديد.

من الناحية العملية، ونحن نقف إزاء متناقضَينا هذه المرة، تبدو المفاضلة بين التوسّط والمغالاة أكثر مما هي بين الإفراط والتفريط، فامتحان المتناقضات ليس بالضرورة دوماً إزاء طرفَي نقيض، أو ربما – للدقة – يكون أحياناً أحدُ المتناقضين في الواقع ليس هو الضدّ للطرف الآخر وإنما يقع بعيداً عن ذلك الطرف بمقدار أو آخر؛ ومقامنا هذا هو أحد أفضل الأمثلة على ذلك، فعملياً تحدّينا على صعيد أفعالنا وأقوالنا ليس مع الإفراط والتفريط بقدر ما هو مع التوسّط والمغالاة؛ وجدير بالانتباه هنا أن المغالاة تمثّل في ذاتها طرفَي نقيض في آن معاً، فقد تكون مغالاة في الإفراط وقد تكون مغالاة في التفريط، في حين يبقى التوسّط هو الطرف الآخر الثابت للمقارنة في الحالين.

تبدو فطرتنا أكثر ميلاً إلى المغالاة في أي اتجاه بحسب طبيعة كلٍّ منّا وبحسب المؤثرات من حولنا على اختلافها، بحيث يبرز التوسّط – والحال كتلك – كما لو كان فعلاً يتطلّب قدراً من التعقّل أو على الأقل التأنّي في ردة الفعل ترقّباً لمصلحة/منفعة ما، وقد لا تكون تلك المصلحة سوى تجنّب الوقوع في خطر أو مشكلة ممكنة الحدوث إذا تمت الاستجابة بالاندفاع إلى اتجاه بعينه؛ ولا يعني ذلك أن التوسّط هو الوقوف/السكون أمام الحدث المقتحم، بل غالباً ما يقتضي التوسّط في ردة الفعل التحركَ في اتجاه ما، ولكنه تحرّك مدروس وموزون وليس مندفعاً بحال.

هل يعني ذلك أن التعقّل في ردة الفعل يعني دوماً التوسّط بقدر أو آخر، والتوسّط ليس درجة واحدة على كل حال؟ "لا" كبيرة هي الإجابة المباشرة على السؤال، فكثيراً ما يستوجب التعقّلُ الاندفاعَ/المغالاةَ، وأبرز الأمثلة على ذلك الهروبُ من خطر داهم كمهاجمة وحش كاسر، وإن يكن جديراً أن ننتبه إلى أنه حتى في مثل تلك المقامات التي يبدو فيها الاندفاع طلباً للنجاة هو عين العقل فإن ردة الفعل المقابلة (السكون هنا وليس الهجوم) قد تكون هي الأبعث للسلامة؛ فكما هو شائعٌ تحسّ الوحوش (ليس عن طريق حاسة الشم بالضرورة) بمشاعر مَن/ما تهاجمه - من حيث الخوف أو الثبات - لتواصل من ثمّ بدورها ردّة فعلها المقابلة بناءً على ذلك؛ ولكل حالة تفاصيلها بما لا يمكن إجماله في نصيحة واحدة، فالأمر معلّق بطبيعة كل واحد، وليس من الحكمة أن يُطلب من شخص شديد الهلع يهاجمه حيوان مفترس أن يثبت أمام ذلك الحيوان؛ العبرة ليست في مجرّد عدم الحركة وإنما في الطمأنينة شبه المطلقة، فالشخص بالغ الثقة والاطمئنان في مثل تلك المواقف الخطرة يقوم في الغالب بحركات هادئة وواثقة تقدّماً نحو الحيوان المهاجم ولا يتسمّر بالضرورة في مكانه. من الحكمة ألّا نصف ردّة الفعل الشجاعة هذه بكونها توسّطاً، فهي مؤكداً ليست مغالاة بالاندفاع إلى الفرار لكنها في المقابل مغالاة في الشجاعة بالثبات.

مهما يكن، يبدو التوسّط مغرياً باعتباره ردّة الفعل السائدة بين الناس بدرجة أو أخرى؛ فبرغم ما ذكرناه عن كوننا مجبولين على المغالاة أكثر مما نحن ميّالون إلى الاعتدال، فإن نظرةً من زاوية مختلفة تكشف أن الإشكالية تكمن في التعريف نفسه أحياناً، وأي تعريف يتغيّر بتغيّر المقامات.

إذا نظرنا إلى المسألة من حيث شيوع الأفعال وردّاتها في المجتمع، أي مجتمع بصفة عامة، نجد أن القياس العام يميل إلى أن يجعل التوسّط/الوسط تعبيراً يشير إلى ما يقوم به متوسط/مجمل الناس عادة، في حين أن المبالغة/المغالاة تعبير يشير إلى ما هو غير شائع/استثنائي من الأحداث، وذلك بصرف النظر عن أفضلية أيٍّ من الفعلين، فالأفضلية مرتبطة بطبيعة كل مقام وما يقتضيه أكثر مما هي مرتبطة بالفعل ذاته.

انظر إذن إلى كل مقام وما يتطلّبه من الأفعال وردّاتها ولا تنشغل كثيراً بالأفكار المسبّقة والأنماط الجاهزة فيما يخص التوسّط والمغالاة؛ وانتبه باستمرار إلى طبعك في كل الأحوال، فليس من المفترض تبنّي قاعدة مطلقة تنص على أن هذا الفعل هو الصواب وذاك هو الخطأ، سواءٌ أكان الفعل توسّطاً أو مغالاة رجوعاً إلى أيٍّ من التعاريف في أيٍ من المجتمعات.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])