مهند خيري يكتب: "أسد".. حين تنطق السينما المصرية بصورة عالمية

يستهل فيلم "أسد" رحلته ببناء درامي مكثف يشرح نشأة الشخصية الرئيسية، مستعرضًا عالمًا سينمائيًا فريدًا من نوعه ومميزًا إلى أقصى حد. ما يُحسب للعمل في جزئه الأول هو قدرته الفائقة على إيصال كافة المعلومات التأسيسية التي يحتاجها المتلقي في زمن قياسي، وبصورة شديدة التركيز.

ثنائية دياب ورمضان: مغامرة الخروج عن النمط

كعادته، يثبت المخرج محمد دياب أنه صانع يبحث دائمًا عما هو مغاير وجديد؛ حيث يتجلى شغفه بالصناعة في كافة تفاصيل أعماله. يمتاز دياب بالنفس الطويل والقدرة المستمرة على تطوير أدواته والتعلم من كل تجربة. وفي "أسد" نجح في تقديم واحدة من أكثر القصص مصرية على الإطلاق، لكن بلغة بصرية وإخراجية تنتمي إلى العالمية، مما خلق مزيجًا سينمائيًا رائعًا.

لا يمكن الحديث عن "أسد" دون الإشادة بالشجاعة والجرأة اللتين أبداهما محمد رمضان في تجسيد هذه الشخصية؛ حيث تخلص من عباءة البطل النمطي التي استهلكت الكثير من أبطال السينما في الآونة الأخيرة. هذا التنازل عن الأنا الفنية لصالح الشخصية الدرامية يعكس نضجًا كبيرًا.

إنني أدعم بشدة هذا التوجه نحو إنتاج أفلام تجارية تحمل قيمة فنية حقيقية، كبديل للأعمال الهزيلة التي اعتاد عليها الجمهور. وأعتقد أن الدويتو الفني بين رؤية محمد دياب الإخراجية وحضور محمد رمضان الطاغي سيحدث نقلة نوعية في شكل السينما الجماهيرية، ويضع معايير جديدة لما يجب أن تكون عليه الأفلام الضخمة.

بذخ الإنتاج وجمالية الصورة: قمة بصرية غير مسبوقة

تُعد عناصر الصورة والديكور الأعمدة الأقوى في بناء هذا الفيلم. وبالرغم من خضوعها التام لرؤية المخرج، فإن مدير التصوير أحمد بشاري قدم لغة بصرية تُصنف كواحدة من الأفضل والأقوى في تاريخ السينما المصرية حتى الآن. لقد واجه بشاري تحديًا تقنيًا معقدًا؛ حيث اعتمدت فلسفة الإضاءة على محاكاة المصادر الحقيقية، كضوء الشمس والقمر وشعلات النيران طوال الأحداث، وهو ما برع فيه بتقديم عالم خيالي مغلف بواقعية بصرية مذهلة.

ولا يمكن إغفال دور الديكور الخرافي الذي جسّد ملامح هذا العالم وجعله ملموسًا، جنبًا إلى جنب مع تصميم الملابس المتميز لريم العدل، التي قدمت أزياءً عكست بدقة ملامح كل شخصية وأبعادها التاريخية. هذا المستوى الاستثنائي من الجودة هو محصلة مباشرة للإنتاج السخي الذي قاده عماد سيد أحمد وموسى أبو طالب تحت رعاية المستشار تركي آل الشيخ، ضمن موسم سينمائي يتميز بقيمة فنية وإنتاجية رفيعة. إن هذا التعاون العربي المثمر يمهد الطريق فعليًا لوصول السينما العربية إلى منصات العالمية في غضون عامين أو أقل.

البناء الدرامي: معضلة التماهي وفجوة النص

بالانتقال إلى السيناريو، أجد أن السينما المصرية ما زالت تعاني من فجوة بين جودة الصورة وقوة الدراما. بينما تركز هوليوود على المتن الدرامي أولًا، نجد أنفسنا أحيانًا ننافس على الصورة فقط. فالأفلام العظيمة هي التي تظل عالقة بالذاكرة بفضل قصة متماسكة ووحدة درامية، حتى لو نُفذت في موقع تصوير واحد.

في "أسد"، شعرت في البداية بافتقاد "الوحدة الدرامية" ونقطة التماهي. فالمشاهد بحاجة إلى التوحد مع البطل؛ ليس بالضرورة لكونه عانى من العبودية، بل من خلال لمس الشعور الإنساني الكامن وراءها، مثل الرغبة في الحرية التي قد نشعر بها في أبسط مواقف حياتنا اليومية. ورغم وصول الرسالة، فإنها لم "تلمسني" كمتلقٍ. كما شاب الحوار في الفصل الأول، وتحديدًا عند عودة أحمد داش إلى مصر، نوع من عدم الواقعية، وكأن الممثلين أنفسهم لم يستوعبوا طبيعة الجمل المنطوقة.

بدأ السيناريو في التحسن الملحوظ مع منتصف الفصل الثاني. ولعل المشكلة الأبرز التي تواجه الأفلام التاريخية هي الرغبة في قول كل شيء، مما يجعل الإيقاع يبدو وكأنه ركض مستمر دون وجود نقاط راحة. لكن الفيلم استعاد توازنه من منتصف الفصل الثاني حتى النهاية، حيث بدأت الأحداث في التباطؤ المدروس.

أعتقد أننا لو استثمرنا في تطوير السيناريو بنفس القدر الذي نستثمر به في الصورة، فستصل صناعة السينما لدينا إلى آفاق لم نتخيلها من قبل.

برأيي، فإن فيلم "أسد" سيحجز مكانته كأحد أهم العلامات السينمائية في الفترة الأخيرة. لم تكن مشاهدته مجرد تجربة عابرة، بل كانت حالة من الدهشة الحقيقية بما نمتلكه من قدرات تقنية ورؤى فنية لمبدعين مخلصين للصناعة. لقد تجلت في العمل حالة من التكافؤ الإبداعي بين كافة العناصر الإنتاجية والفنية، ليخرج لنا كمنتج سينمائي يتمتع بصورة بصرية غنية إلى أقصى الحدود، ويؤكد أننا نقف على أعتاب مرحلة سينمائية فارقة.

نرشح لك: محمد دياب يرد على اتهام فيلم "أسد" بدعم أفكار الأفروسنتريك