بالتزامن مع الاحتفالات الدولية باليوم العالمي للكتاب (23 أبريل من كل عام)، تتعالى الأصوات المنادية بالتشجيع على المطالعة، في أحاديث متوالية ومتكررة عن أهميتها التي يدركها الجميع ومع ذلك تبقى إحصائيات وأعداد القرّاء أقل من المتوقع حول العالم وأكثر إحباطًا في المنطقة العربية بشكل خاص؛ إلا أنه وسط هذه الأصوات، هناك همهمات تاريخية ما زال صداها يتردد، تحكي عن أهمية القراءة بوصفها علاجاً وطريقاً أكيداً للتعافي.
في كتابها "العلاج بالقراءة: القوة الشافية للكتب"، تقول بيجال شاه: من واقع تجربتي كمعالجة بالقراءة، أدركت أن الكتب تمنحنا مستوىً من القرب والتواصل وشعوراً بالفهم المتبادل، وفي ذلك قوة شافية مذهلة. تصلنا الكتب بأشخاص ما كنا لنلتقيهم في معترك حياتنا اليومية، فتوسع مدارك تعاطفنا، وتغوص بنا برفق في واقع افتراضي كثيراً ما يكون أكثر واقعية من عالمنا الذي نحياه، والأهم من ذلك أنها تواجهنا بأنفسنا عبر تجارب غيرنا.
بالطبع، الحديث هنا ليس حول الكتب التي تقدم للقارئ توصيفات مرضية ووصفات علاجية جاهزة، مثل مؤلفات طب وعلم النفس بفروعه المختلفة؛ وهي كتب في غاية الأهمية، وحظّ القارئ اليوم بها أفضل من أي وقت مضى بفضل تطورها وتوافرها.
ويمكنه أن يجد بين صفحاتها نفعاً كبيراً سواءً في مؤلفات رواد دوليين مثل: كارل يونغ، وليم جيمس، جان بياجيه، إريك فروم، ألبرت باندورا، وبي إف سكينر، تود هنري، توماس إريكسون، وديفيد هاوكينز. أو في مؤلفات وكتابات متخصصين عرب مثل: أحمد عكاشة، يحيى الرخاوي، مصطفى حجازي، عبد الستار إبراهيم، قاسم حسين صالح، ونبيل القط، إضافة إلى الكُتاب الشباب مثل إسماعيل عرفة وعماد رشاد.
الجدير بالانتباه والإشارة هو تحول عدد من كبار علماء وأطباء النفس من الكتابة العلمية المباشرة إلى الأدب، وتحديداً الحكاية المُلهمة والفكرة الشافية، كما فعل الطبيب الأرجنتيني خورخي بوكاي، والهندي أنطوني دي ميلو، والأمريكي سبنسر جونسون؛ إيماناً منهم بأن الحكاية تمتلك تأثيراً لا يملكه الحديث العلمي المباشر عن المرض.
الحديث هنا حول "العلاج بالقراءة الأدبية"، وهو أسلوب عُرف منذ قرون لدى اليونان وفي الحكاية العربية القديمة، مروراً بميشيل دي مونتين، ووليام وردزورث، وجورج إليوت، وفرويد، وصولاً إلى أمناء مكتبات المستشفيات خلال الحروب العالمية. وعبر هذه الفترة الحرجة من الحروب وآثارها، تشكلت فكرة ومصطلح )العلاج بالقراءة (Bibliotherapy: الذي صاغه الكاتب الأمريكي صامويل كروثرز عام 1916.
والذي آمن بأن في قراءة الروايات علاجاً أقل تكلفة وأيسر منالاً، ويغني بعض المرضى كلياً عن التحليل النفسي، وهو النهج الذي ساد مطلع القرن العشرين إلى اليوم؛ وأصبحت القراءة ضمن برامج الإرشاد النفسي الديناميكي وبرامج العلاج المعرفي السلوكي في أمريكا وأوروبا، خاصة بعد اعتماد )العلاج بالحكاية (Narrative psychotherapy :أحد الأساليب العلمية في العلاج النفسي.
يؤكد كتاب "وأنقذتنا الصفحات: حكايات من ونس الكتب"، قدرة القراءة الأدبية وتتبعها في قياس مدى صحتنا النفسية عبر الحكم على الشخصيات والمواقف في الرواية أو القصة أو حتى التجربة الشعرية؛ وكأن القراءة هنا تتحول إلى عملية نبش في دواخلنا وتجاربنا من خلال حكاية متخيلة. إنه التأثير الذي قصده كافكا بقوله: "يمكن للكتب أن تمثل الفأس التي تهشم البحر المتجمد بداخلنا". وما علينا إلا مراقبة أثر التفاعل النفسي أثناء المرور عليها، وقياس مدى النضج النفسي والانفعالي والعقلي بتكرار القراءة بعد فترة.
وبحسب "وأنقذتنا الصفحات"، نجد أن فرويد، الأب المؤسس لمدرسة التحليل النفسي، مع هذا المفهوم؛ يسرد الكتاب كيف استلهم فرويد أسماء الأمراض النفسية من شخوص الأدب (عقدة أوديب، إلكترا، نرجس.. إلخ). كما يظهر تقديره العميق لأثر الأدب النفسي في مقاله "الكُتاب المبدعون وأحلام اليقظة" الذي شبّه فيه الأدباء بالمرشدين الذين يعينون الناس على فهم مكنوناتهم، ليقول: الشعراء والكتاب هم أعزُّ الحلفاء للمحللين النفسيين، وينبغي عليهم أن يُقدروا شهاداتهم أحسن تقدير؛ لأنَّهم يعرفون أشياء بين السماء والأرض لم تتمكن حكمتنا المدرسية من الحلم بها، فَهُمْ في معرفة النفسِ شيوخنا - نحن الناس العاديين- لأنَّهم يغرفون من منابع لم ينجح العلم بعد في الوصول إليها.
بعد فرويد، استمر الأطباء النفسيون في إطلاق أسماء شخصيات أدبية على الاضطرابات النفسية المستجدة، ومنها:
- متلازمة عطيل: (Othello Syndrome) الشك المرضي، نسبة إلى بطل مسرحية شكسبير.
- متلازمة دوريان جراي: (Dorian Gray Syndrome) الهوس بالمظهر والشباب الدائم، نسبة إلى رواية أوسكار وايلد.
- عقدة سندريلا: (Cinderella Complex) الخوف من الاستقلالية والرغبة الدائمة في وجود منقذ، نسبة إلى القصة العالمية الشهيرة.
- متلازمة أوفيليا (Ophelia Syndrome) :حالة مرتبطة بفقدان الذاكرة والارتباك الذهني، نسبة إلى مسرحية هاملت لشكسبير.
- متلازمة بوليانا: (Pollyanna Syndrome) حالة التفاؤل المفرط وغير الواقعي، نسبةً لبطلة رواية إليانور بورتر.
- متلازمة ستوكهولم (Stockholm Syndrome) :حالة تعاطف الضحية مع الجاني، نسبة إلى قصة الجميلة والوحش.
هكذا تقفز شخصيات الحكايات من الكتب.. لتداوي القلوب
في الأدب العربي، خاصة الأدب المصري الحديث، رأينا كيف كانت الحكاية قادرة على المساعدة في فهم الشخصيات والحالات النفسية والاجتماعية التي نعيش بها ومعها. يمكننا القول إن الروايات العربية قدمت "مولد شعبي" لعرض آلاف النماذج والشخصيات النفسية التي ما زالت تتحرك على الأرض إلى اليوم؛ على سبيل المثال: قدّم الأديب نجيب محفوظ الحظ الأوفر إلى هذا المولد، بشخصياته الأدبية الباقية (أمينة، سي السيد، سعيد مهران، كمال عبد الجواد، جعفر الراوي، محجوب عبد الدايم،.. إلخ)، وقدّم الأديب خيري شلبي (فاطمة تعلبه، العميد صالح هيصه، حسن أبو ضب، منيرة،.. إلخ)، كما أضاف الأديب علاء الأسواني (زكي الدسوقي، طه الشاذلي، حاتم رشيد، طارق حسيب، رأفت ثابت، اللواء علواني،.. إلخ)، وأزاد الأديب وحيد الطويلة شخصياته المختلفة (مُطيع، مأمون، الشيخ حامد، موعود، ناجي البلطجي، منير زبالة، العمة فريال، النمس، عبد القوي الحامي الحرامي،.. إلخ). وشارك الأديب عزت القمحاوي بشخصيات ثقيلة مثل (مباركة الفولي، منتصر الديب، الملازم وحيد، سامي يعقوب، المحامي جمال، رفعت، .. إلخ). وهكذا نمتن للأدب العربي بكونه وطناً موازياً، الداخل إليه سيجد ألوف ممن يشبهه ويشبه من في حياته في كل زاوية.
بالعودة إلى كتاب "العلاج بالقراءة"، تؤكد بيجال شاه أن للقراءة الانتقائية للكتب قدرةً كبيرة على المشاركة في معالجة الاكتئاب والقلق، واليأس، والفصام، والتفكير في الانتحار، والتشتت، واضطراب كرب ما بعد الصدم (PTSD)، والتغلب على تداعيات الشعور بالوحدة والاغتراب، وهو ما يؤكده عرّاب القراءة الأرجنتيني ألبرتو مانغويل في قوله: الكتب ملاذ أروحنا، بها نشعر أننا لسنا وحدنا، نفهم معها لغة آلامنا، تعيد لنا تفسير حياتنا.
من مواساة السطور إلى صناعة الصمود
كل ما سبق، يُبرر هذا الحرص الذي نراه في المستشفيات الكبرى حول العالم على وجود مكتبة تُنتقى كتبها بعناية، ويُشرف عليها أمين مكتبة برتبة "صيدلي ثقافي" أو طبيب نفسي متخصص في الأدب؛ يُفسر أيضاً وجود كيانات عالمية متخصصة مثل "الاتحاد الدولي للعلاج بالكتب". ولعل الأهم من قدرة الكتب على العلاج، هو قدرتها على الوقاية وتعزيز الصمود النفسي؛ عبر توفير وجوه المعنى للحياة وتقلباتها، هذا الصمود الذي تحدثت عنه مدرسة (العلاج بالمعنى: Logotherapy) ومؤسسها فيكتور فرانكل؛ فلسفتها تتلخص في أن الإنسان يمكنه تحمل أي "كيف" إذا وجد "لماذا" يعيش لأجلها، والقراءة توفر له سبعين ألف "لماذا".
تستدعي القراءة أيضاً الصمود النفسي عبر إطلاق مساحة الخيال الإيجابي الذي يحمي من اليأس، مع تحرير مساحة الخيال السوداوي (Dystopia) الذي يحمي من توابع عدم توقع الأسوأ. لذلك قراءة "الديستوبيا" ليس هدفها الاستمتاع بالألم، بل تمرين الذهن على الشجاعة والصمود الذي يمنحنا المساحة الآمنة لمواجهة أسوأ مخاوفنا، كما جاء في رواية "جنازة جديدة لعماد حمدي" على لسان الراوي: سوف ترى وجوهًا خليطًا من وجوه ذئاب وبشر، قد يغلب أحدها الآخر للحظات، لكنه يعود إلى أصله وأنت أمام هول المفاجأة ثم يتبدل الوضع.. وهكذا، ناس غادروا إنسانيتهم، قشروها ونفدوا، لا تخدعنك أجسادهم كما أخبرتك، ستقفز منها الذئاب وربما الثعابين، ولا يجب أن تنتظر رحمة من أحد. اسمع، ما رأيك أن تدخل لتجرب، التجربة أم المعرفة، ولكن خذ حذرك على أكمل وجه، كن خائفًا مرعوبًا، الخوف الشديد هو ما يمكنك هزيمته، الخوف العادي يورث القلق والتوتر ويضيع لذة المغامرة.
ختاماً، تبقى علاقة القارئ بالكتب من أعمق ما يمكن؛ فبالإضافة إلى قدرتها على المؤانسة والتوعية والمُتعة، وتقميش وتحصيل خبرات سنواتٍ وقرونٍ في وقتٍ قياسي، فهي أيضاً كانت وستبقى علاقةً شافية. لذلك، آن ونحن نحتفل باليوم العالمي للكتاب أن نقرأ بهدفٍ وبشكلٍ مختلف، وحان الوقت لنتأمل حكمة أن تكون أول كلمة في الوحي الخاتم: "اقـــرأ"؛ كلمةً بصيغة الأمر، بها يبدأ الوعي، وتتعافى الأرواح، وينجلي العمى عن البصائر.