ما بعد الطيبات.. تشريح ظاهرة ضياء العوضي

أسماء مندور

ما يقرب من أسبوعين مرا على أنباء وفاة الدكتور ضياء العوضي، الذي تصدر المشهد العام منذ سنوات بعدد من النظريات الطبية التي أثارت حالة من الانقسام بين أوساط متعددة، لكن يبدو أن حضور الرجل لم ينته بالغياب.

فطبيب العناية المركزة الذي قضى حياته المهنية شاهدًا على لحظات احتضار المرضى وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة، كان حضوره يتشكل في مسارٍ آخر بهدوء نسبي عبر محتوى يتعلق بواحدة من أكثر التخصصات أهمية؛ كصحة الناس وأجسادهم.

ورغم التحفظات تجاه ما يطرحه، لكن استمر انتشاره دون عوائق حقيقية، قبل أن يتبدل المشهد بعد وفاته بشكلٍ حاد، لتتصاعد نبرة النقد وتتسع دائرة التشكيك، وتبدأ مراجعة متأخرة لكل ما قيل سابقًا، وكأن الظاهرة لم تكن مرئية إلا بعد نهايتها. وهنا لم يعد السؤال متعلقًا بما قدمه ضياء العوضي، بل بالمسار الذي سمح بحدوث ذلك من البداية.

المساحة الإعلامية

لم يظهر ضياء العوضي فجأة في قلب المشهد، بل بدأ بمحتوى على السوشيال ميديا، يقدّم فيه نصائح عن التغذية مستخدمًا أسلوبًا استعراضيًا حماسيًا وغريبًا في نفس الوقت، يعلن فيه ما يطلق عليه نظام "الطيبات"، والذي يعرفه بأنه "نظام غذائي استشفائي ووقائي للتخلص من الأمراض"، يطبقه على المرضى بالتزامن مع إيقاف الأدوية التي يتلقونها لعلاج الأمراض الخطيرة مثل الضغط والسكر والفشل الكلوي والسرطان، مرورًا بتكيس المبايض وحالات العقم والجلدية وغيرها.

بخطاب حماسي غريب مليء بالوعود، عبر مقاطع فيديو قصيرة ونظريات طبية مثيرة، تحول اسمه إلى ما يشبه "العلامة" بين الشاشات ومنصات التواصل، حاملُا معه حلولًا تبدو "سهلة" لأمراض معقدة، في وقت بدا فيه كثيرون مستعدون لتصديقها، ربما لكثرة ما يعانونه من آلام المرض وتكاليف علاجه.

ومع زيادة التفاعل، انتقل العوضي إلى الظهور الإعلامي، ما عزز حضوره رغم الانتقادات ليصبح تدريجيًا شخصية معروفة يرتبط اسمه بأسلوب جريء ومختلف في تقديم النصائح الغذائية، منح خطابه قدرًا إضافيًا من المصداقية، مع تداخل غير مفهوم بين الرأي الشخصي المثير للجدل والتأثير العام. لكن في منطق الانتشار، لم تكن هذه التحفظات كافية لإبطاء الصعود، بل ربما ساهم الجدل نفسه في زيادة وتعزيز حضوره.

ورغم اللقاءات والبرامج الكثيرة التي حل العوضي ضيفًا عليها، إلا أن الجدل الأكبر انصب على حلقته مع الإعلامي محمود سعد في برنامج "باب الخلق" التي سُجلت قبل عامين، ليس فقط لشهرة البرنامج أو ثقل مقدمه، بل بالطريقة التي أُدير بها الحوار نفسه، والتي بدت كأنها مساحة عرض أكثر منها ساحة مسائلة، رغم تصريح محمود سعد في بث مباشر مؤخرًا أنه لم يكن مرتاحًا لما طُرح في اللقاء، لكن ما ظهر في الحلقة بدا عكس ذلك.

فخلال اللقاء، جاءت تعليقات محمود سعد في مواضع متعددة بصيغة أقرب إلى الإعجاب أو الدهشة، دون الدخول في تفنيد نقدي مباشر لما يطرحه الضيف من أفكار ومعلومات طبية مغلوطة. حتى في لحظات طرح الأسئلة حول الاستفسار عن مصدر النظام الغذائي الذي يتبناه، جاءت الإجابات من الضيف بصياغات عامة سطحية دون أن تُقابل بمساءلة حادة من المحاور تعيدها إلى أرض التحقق العلمي أو المرجعية الطبية.


ورغم تبرير محمود سعد موقفه لاحقًا بأن من مهام دوره الإعلامي عرض الواقع وترك مساحة للجمهور والمتخصصين للرد والمناقشة، إلا أن التبرير نفسه فتح بابًا أوسع حول أهمية إعادة النظر في حدود الدور الإعلامي، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات تمس سلامة الناس بشكل مباشر، لأن المسألة لم تعد مجرد إتاحة منصة لطرح الآراء، بل تتعلق بمسؤولية مرافقة لهذا الطرح، توازن بين حق الجمهور في المعرفة، وحقه في الحماية من معلومات قد تكون مضللة أو غير دقيقة.


ويعزز النقاش في هذه النقطة الموقف المختلف لدى الإعلامي شريف عامر، الذي كشف في برنامجه "يحدث في مصر" أنه عُرض عليه قبل أشهر اقتراحًا لاستضافة دكتور ضياء العوضي لمناقشة ما يُعرف بـ "نظام الطيبات"، لكنه رفض الفكرة من الأساس، مشيرًا إلى أنه لم يكن مرتاحًا للفكرة، ولا لطريقة تقديمها، ناهيك عن شخصية الضيف وأسلوبه.

جمهور الوهم

تُروى حكاية قديمة عن أحد الشيوخ الذي توهم في أواخر عمره بأن ثعبانًا في بطنه، وظل يبحث عن علاج لدى الأطباء حتى لجأ إلى طبيب حكيم قرر التعامل مع الوهم لا الجسد؛ أعطاه بعض الأعشاب ووضع له ثعبانًا في الخلاء وأقنعه بخروجه من بطنه، فشُفي الرجل تمامًا. ولما سأل الناس الطبيب "هل كان هناك فعلًا ثعبان في بطنه وخرج؟"، قال "بل كان ثعبان في عقله وطار". المغزى أن المرض لم يكن حقيقيًا بقدر ما كان التصديق نفسه هو المشكلة، فحين تغيّر اقتناع الرجل، تغيّرت حالته.

بهذا المعنى، لا يمكن فصل ما حدث في حالة ضياء العوضي عن طبيعة الاستقبال لدى الجمهور، فالتفاوت في الخلفيات الثقافية ومستويات التعليم والظروف المعيشية والنفسية يلعب دورًا حاسمًا في كيفية فهم وتبنّي هذا النوع من الخطاب. فهناك من يمتلك فكرًا ومهارات نقدية تسمح له بالتشكيك، في مقابل شرائح أكبر تميل إلى الثقة في الطرح المباشر، خاصةً إذا قُدّم بلغة غريبة وواثقة بعيدًا عن المألوف، فضلًا عن المعاناة الجسدية والمادية التي تدفع الإنسان لتجربة أي محاولة للخلاص.

وهذا المبدأ يكتسب خطورته مع دخول بعض الفنانين والشخصيات العامة على خط الدعم والتأييد أو التعاطف، كما حدث مع الفنان علي الحجار ودينا ويوسف منصور، الذين صرحوا بأنهم اتبعوا نظام الطيبات وحقق معهم نتائج مدهشة.


وتتعزز الخطورة أيضًا حين يُترجم التأييد إلى موقف إعلامي معلن، كما صرحت إحدى المذيعات عندما قالت: "إن ما نعرضه مجرد طرح، واللي عاجبه وعايز يطبقه هو حر، واللي مش عاجبه ورافضه برضه هو حر".

في الظاهر يبدو الكلام محايدًا، لكنه يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن عرض المعلومة، خاصةً حين تأتي من منصة واسعة التأثير، لا يكون منفصلًا عن نتائجه، فالجمهور لا يتلقى المحتوى في فراغ، بل يتأثر بطريقة تقديمه، وبهوية من يقدمه، وبالسياق الذي يُطرح فيه.

الهوية النفسية

بدون تشخيص أو اتهام أو توصيف لشخصية الطبيب الراحل، لكن جانبًا من النقاش الذي دار حوله ركّز على أسلوبه وطريقة طرحه، وما إذا كانت تحمل مؤشرات تستدعي التوقف، لا من باب الحكم، بل من باب الفهم. فهذا النوع من الملاحظات، سواء كان دقيقًا أو مبالغًا فيه، يكشف فجوة واضحة في كيفية التعامل مع البعد النفسي للشخصيات العامة، خاصة تلك التي تمارس تأثيرًا مباشرًا على الجمهور في قضايا حساسة.

وبالعودة إلى عدد من لقاءات وتصريحات دكتور ضياء العوضي، تظهر ملامح حياة شخصية "تدور حولها علامات استفهام، ولا يمكن التغاضي عن تبعاتها"، كان هو نفسه يتحدث عنها بشكل صريح في لقاءاته، حيث أشار في أكثر من مناسبة إلى أنه حتى سن الأربعين كان يعيش حالة من الوحدة والعزلة التامة، من دون أصحاب ولا زوجة ولا أولاد، لافتًا إلى وجود قطيعة مع أفراد عائلته الذين، حسب روايته، كانوا ينظرون إليه باعتباره "مجنون".

كما برزت توترات واضحة في حديثه عن محيطه المهني والعائلي، خاصة تجاه شقيقه الأصغر دكتور كريم العوضي، الذي يعمل أستاذ أوعية دموية، والذي قال إنه من "أشد المناهضين لأفكاره"، بحسب تعبيره، لدرجة أنه وصفه في بعض فيديوهاته قائلًا: "مافيش حد اسمه كريم وبيطلع راجل". ولم تقتصر الخلافات، وفق ما ذكره، على الأسرة فقط، بل امتدت إلى زملائه من الأطباء، حيث أشار إلى أنهم قاموا بحظره بسبب آرائه، قائلًا: "عملولي بلوك".

وفي سياق حديثه عن تجاربه الشخصية، ذكر أيضًا أنه طبّق ما يُعرف بـ "نظام الطيبات" على والده المصاب بسرطان القولون، وهو ما تضمّن، بحسب روايته أيضًا، التوقف عن تلقي العلاج الدوائي ومنع بعض الأطعمة والسماح بغيرها، والتي انتهت بوفاته في النهاية.

فهذه التفاصيل، التي وردت على لسانه، لا تقدم تفسيرًا بقدر ما تضيف سياقًا أوسع لمدى أهمية فهم وتقييم طبيعة شخصية من يتصدر المشهد العام بخطاب مؤثر، لا سيما في مجالات حساسة وحيوية مثل الصحة أو الدين أو غيرها.

رقابة متأخرة

في مسار صعود هذه الحالة، لا يبدو غياب الرقابة هو المشكلة الأساسية، بل توقيتها. فالتدخل، إن حدث، يأتي غالبًا بعد أن يكون المحتوى قد انتشر بالفعل، وحقق تأثيره، ووصل إلى شريحة واسعة من الجمهور. بمعنى آخر، الرقابة لا تغيب تمامًا، لكنها تتحرك في مرحلة متأخرة، حين يصبح التعامل مع النتائج أصعب من منع الأسباب.

تجلّى هذا النمط بوضوح في ردود الفعل الرسمية التي تلت تصاعد الجدل حول ضياء العوضي، من سحب ترخيص مزاولة الطب منه، وإغلاق عيادته على خلفية ما وُصف بممارسات طبية خاطئة، ومنع تداول محتواه في الإعلام، بالتوازي مع موجة انتقادات حادة في الأوساط الطبية الذين اعتبروه أقرب إلى "الضلالات" منه إلى الطرح الطبي.

وفي حين أن هذا التأخر يرتبط في جزء منه بطبيعة المشهد نفسه، المحكوم بسرعة المحتوى الرقمي وقابلية انتشاره، وإيقاع عمل المؤسسات التنظيمية التي تحكمها إجراءات وقوانين قد لا تواكب سرعة الانتشار دائمًا، فضلًا عن آلية عمل المنصات نفسها، التي تعزز انتشار المحتوى المثير الذي يحقق تفاعلًا على حساب المصلحة العامة، في معادلة تصب في الغالب في كفة الربح المادي، إلا أن هذا لا ينفي حقيقة أن أفكار الرجل ونظرياته متواجدة ويتم تداولها منذ سنوات دون رد فعل ملموس.

والنتيجة أن التدخل يأتي غالبًا في شكل رد فعل تحذيرات متأخرة، بيانات شجب ومنع، أو محاولات احتواء بعد تفاقم الأزمة، لكن في هذه المرحلة، يكون الجمهور قد كوّن بالفعل قناعات، واتخذ قرارات، وربما تبنّى ممارسات يصعب التراجع عنها بسهولة، ليس في هذه الحالة فقط، ولكن في حالات سابقة كثيرة وفي مجالات مختلفة.


وختاما، يبقى أصدق ما قاله ضياء العوضي هو عندما وصف نفسه بـ "الظاهرة"، ذلك أن الرجل لم يكن مجرد نموذج فردي يمكن اختزاله في أفكاره الشخصية أو طرحه الخطير. فما كشفته قصته، في صعودها السريع وسقوطها الحاد، والجدل الكبير الذي رافقه، هو شبكة كاملة من العوامل التي تعمل معًا للمساهمة في صنع ظواهر شخصيات جدلية.

وبين التفاعل الذي صنع الحضور، والانقسام الذي أعاد تقييمه بعد الرحيل، تتضح صورة أوسع؛ بأننا لسنا أمام قصة شخص، بل أمام منظومة تُنتج هذا النموذج، ترفعه وتستهلكه، ثم تتبرأ منه عندما يصبح عبئًا. ومن هنا، لا يصبح السؤال: ماذا قال ضياء العوضي؟ بل: كيف أصبح ضياء العوضي ظاهرة من الأساس؟ والأهم: كم ضياء عوضي آخر سيظهر مرة أخرى؟