طارق الشناوي يكتب: "أسد" رمضان.. صراع من أجل البقاء داخل الدائرة!

طارق الشناوي

معارك خارج النص، وبعيدا عن الشاشة التصقت بفيلم "أسد"، قبل أن تتاح له فرصة العرض أمام القاضي العادل (الجمهور)، الاتهام بـ (الأفروسنتريك)، إدعاءات كاذبة استسلم لها البعض صدقوها ورددوها، تقول إن الحضارة المصرية مدينة للعرق الأفريقي الأسود، وأنهم صنعوا كل تفاصيل هذه الحضارة التي تحولت إلى عشق في العالم كله، ويتداول هذا التعبير (ايجيبتو) في العالم كله، لأنها كانت ولا تزال قاردة على إبهار العالم، أسرار تلك الحضارة لا يزال الجزء الأكبر منها يشكل لغزا بقدر ما يشكل عشقا.


قدمت السينما العالمية أفلاما تتناول ملكات وملوك مصريات سود البشرة، على غير الحقيقة، والأمر هنا ليس له علاقة بالتنمر اللوني، في طبيعة المصريين التسامح مع كل هذه الاختلافات في اللون والعرق والدين، فقط تصحيحا للتاريخ، (القمحي) هو اللون السائد للمصريين، على الجانب الأخر تردد أن أحد المولات منعت دخول أربعة ممن يرتدون الجلباب الصعيدي بالدخول لمشاهدة الفيلم، وحتى الآن لا تزل تلك الحكاية تخاصم التدقيق بل تحمل قدرا لا ينكر من التلفيق، ولم يكن الأمر يستحق، الفيلم لديه كل مقومات الجذب بعيدا عن تلك (الافتكاسات).

لدينا شاشة ثرية قادها بكل إبداع محمد دياب مخرجا ومشاركا في الكتابة مع شقيقه خالد وشقيقته شيرين، في قانون السينما المصرية، مهما بلغت موهبة المخرج سوف تكتشف أن هناك معوقات تصطدم بهذا الطموح أولها النجوم، إذا لم تقتنص توقيع نجم الشباك، ربما لا يرى أبدا الفيلم النور.


من الواضح أن رمضان لم يصادر على حقوق المخرج، ليصبح كما هم مفروض صاحب الكلمة العليا، ستجد مثلا "الأفيش" وهو بداية التعاقد، وبرغم أن اسم الفيلم يسمح بأن نرى "الأسد" منفردا، على أرض الواقع شاهدنا كل الأبطال الرئيسيين، النجم أيضا لم يحتل كل المساحة على الشاشة، لأول مرة نجم مصري يقدم شخصية بطل فاقد قدرته الجنسية بعد أن تم إخصاؤه، وهو ما ستجد أن أغلب نجومنا لأسباب معروفة يتجنبونه طوال التاريخ.

الخطأ الأكبر الذي ارتكبه الفيلم أنه أشار في البداية إلى زمن الحدث 1840 في إصدار مرسوم ملكي بتحرير العبيد، وبعدها اختلطت الأحداث، هدف المخرج بتلك الإشارة التأكيد أن القرار مصري، إلا أنه تناسى أنه يقدم رؤية خيالية على المستوى الدرامي، كان يكفي فقط بعد توثيق التاريخ، يكتب ملحوظة بأن كل هذه الشخصيات والأحداث من خيال الكاتب، أغلب ما نراه يتناول حياة شخصيات مثل نابليون وهتلر وغاندي ومايكل جاكسون وغيرهم، تجد داخل نسيج الفيلم أحداثا مختلقة أو في الحد الأدنى غير موثقة.


السينما تسمح برؤية تتجاوز الوثيقة على شرط مراعاة أن العقد شريعة المتعاقدين، والمخرج في القانون هو الطرف الأول والجمهور الطرف الثاني، هذا العقد لم يشهره المخرج.

الشاشة التي قدمها دياب جاذبة إبداعيا، والفيلم يسمح بقراءة تتجاوز اللحظة التاريخية في توجهه إلى الحديث عن الحرية التي تمنح بإرادة الحاكم، إلا أنها في عمقها يجب أن تنتزع، سوف يسيطر مباشرة على خيالك الفيلم العظيم (سبارتاكوس) 1960 إخراج ستانلي كوبريك وبطولة كيرك دوجلاس، الشريط من فرط قوة تثير الفيلم الأمريكي تستدعيه لا شعوريا من الذاكرة، لتستعيد كيف اندلعت ثورة العبيد الذين كانوا يدخلوهم في معارك مع الحيوانات المفترسة، ليتحولوا إلى مادة ترفيهية للأثرياء في الحلبة بينما دماؤهم تسيل على الأرض.

تتذكر أيضا كيف ضحى الجميع بحياتهم للحفاظ على حياة سبارتكوس، الفيلم ملحمة دخلت التاريخ وصارت من فرط عمق تأثيرها أشبه بمرجعية للمبدع والمتفرج معا، وتتداخل في بعض التفاصيل ملامح (سبارتاكوس) مع (أسد). إلا أن المخرج محمد دياب لم يضع أمامه مرجعية أجنبية، حاول أن يبحث عن رؤيته الخاصة لقضية العبودية.

لعب "دياب" دراميا على هذا الاختلاط العرقي، بين الأبيض والأسود، كل الشخصيات ستلمح أنها كانت تخفي سرا، بأن لها جذورا مع اللون الأسود، ابن أو أب أو أم أو زوج، الحكاية يقدمها دياب أقرب إلى حالة التلقين المباشر، الحسناء البيضاء رزان جمال تشعر منذ الطفولة بانجذاب إلى محمد رمضان أحد العبيد، تعيش في قصرها مع والدها الممثل الفلسطيني الكبير كمال الباشا، الحائز على جائزة أفضل ممثل من مهرجان (فينسيا) الذي صارت له مساحتة على الشاشة المصرية، آخر حضور مؤثر له فيلم "كولونيا"، لا تزال اللهجة تشكل عائقا، إلا أن إحساسه وحضوره أمام الكاميرا يتجاوز عائق اللهجة، رزان جمال اللبنانية، اختيار دقيق يحمل منطقه الفني من المخرج، شاهدتها من قبل في "كيرة والجن" لمروان حامد، وتوقعت أن تحقق خطوات أبعد في السينما المصرية، الدور بالفعل أثبت ذلك، الممثلان علي قاسم وعمرو القاضي تألقا، شاهدت لعلي قاسم أكثر من مسلسل في آخر عامين وأراه بعد هذا الدور نجم قادم على الشاشة الكبيرة، ماجد الكدواني تحية مزدوجة للمخرج محمد دياب لاختياره في دور مساحته لا تزيد عن نحو أربعة مشاهد، وتحية لماجد أنه لم يحسبها على هذا النحو، لا بديل لماجد بما يمتلكه من قدرات تعبيرية، تلك الشخصية تتعامل بكل صلف وعنجهية يصل بها إحساسه إلى مشارف الألوهية، عندما يعطي أوامره بالقتل، تجد في أسلوب أدائه الإحساس الفطرى الذي يصدره لنا بأنه ينفذ أوامر تأتيه من السماء.


في لحظات عديدة يصر السيناريو على تلقين جمهوره بأن الأمر أبعد من مجرد التعامل مع قصة حب بين امرأة جميلة بيضاء وعبد أسود مفتول العضلات، قررا معا أن يعبرا إلى واحة الحب، وقبل أن يأكل هو مثل العبيد من التبن تأكل هي، وقبل أن يقبل يدها تقبل يده.

تناول السيناريو بحذر افتقاد البطل لقدرته الجنسية بعد إخصائه بسكين علي قاسم، وأراد أيضا قبل النهاية يمنح البطل محمد رمضان فرصة للانتقام من علي قاسم وبنفس السلاح، وضمن في نفس اللحظة تصفيق الجمهور في الصالة. الفيلم يستند إلى عناصر إبداعية تمنح الشاشة حضورها وألقها تصوير أحمد بشاري وأزياء ريم العدل ومونتاج أحمد حافظ بينما تظل موسيقى هشام نزيه أحد أهم ومضات الشاشة الإبداعية، الموسيقى التعبيرية في بناءها، تمنح الصورة تحليقا يعلو وجدانيا بما تراه في "الكادر".


محمد دياب مخرج صاحب وجهة نظر، يجيد اختيار الفكرة لأنه ببساطة هو صانعها وبالتالي يقرأ مفرداتها قبل الشروع في تنفيذها، لديه قدرة استثنائية على تسكين ممثليه وقيادتهم أمام الكاميرا، كان عليه فقط أن يثق أكثر في ذكاء جمهوره ويبتعد عن منهج إعادة تلقين الفكرة.

هل حقق رمضان في هذا الفيلم طموحه كنجم شباك، سينمائي، منذ "عبده موتة" 2012 وهو يحلم بذلك؟ الأرقام داخل وخارج مصر لا تؤكد وصوله للهدف، في البداية انفرد بالمركز الأول ولكن بعد عرض "7DOGS" تغير لا محالة الترتيب، بالأضافة إلى أن فيلم "الكلام على إيه" يملك مقومات المنافسة على الشباك، صار يسبقه أحيانا وينتزع منه المركز الثاني، كما أن الأرقام خارج مصر خاصة في المملكة العربية السعودية، تضألت كثيرا عن التوقع.

يجب الإشارة إلى أن رمضان قدم في هذا الفيلم أحد أهم أدواره، مزج بين القدرة الأدائية كممثل والجسدية كبطل أكشن، سيدفعه الشريط لكي يواصل الحماس أكثر للسينما، ويمنحها طاقته، في الأفلام القادمة سينجح رمضان في الجمع بين الشاشة والشباك، "أسد" قدم رؤية مختلفة ومغايرة للسينما المصرية، وهناك أرضا جديدة ومساحة بصرية، اكتسبتها شاشة السينما المصرية!

ويبقى السؤال الذي تردد قبل ساعات ولا يزال هل تعرض "أسد" لضربات تحت الحزام اقصته عن مقدمة الشباك لصالح "7DOGS"؟ إجابتي أن ما حدث كان متوقعا، وبنسبة كبيرة، لمن يعرف طبيعة الجمهور، لم تكن هناك مفاجأة، والدليل عرض "أسد" قبل العيد بأسبوعين لينفرد وحيدا بالإيرادات، ولكن بعد ساعات من "7DOGS" صار عليه أن يصارع من أجل البقاء داخل الدائرة!