أسماء مندور
بدأت الضجة بحادث تصادم شهدته منطقة حدائق الأهرام بمحافظة الجيزة، قبل أن يتحول خلال ساعات قليلة إلى قضية رأي عام أثارت نقاشًا واسعًا، خاصةً مع تداول مقاطع فيديو وصور تزامنت مع انتشار روايات متعددة حول ملابسات الحادث وهوية الجاني، وسط مطالبات بكشف الحقيقة كاملة.
سرعان ما أخذت الحادثة منحنى مختلف، ليس فقط بسبب ما جرى على أرض الواقع، بل بسبب ما انكشف لاحقًا من تفاصيل بعدما تبيّن أن المتهم فتاة وشاب قاصران لم يتجاوزا السن القانونية، إذ لم تمر المعلومة مرور الكرام، بل أعادت تشكيل طريقة تلقي خبر الحادث داخل المجال العام، بين قراءة تراه جريمة تستوجب أقصى درجات العقاب والمحاسبة، وأخرى تضعه داخل إطار قانوني مختلف تحكمه اعتبارات السن والقدرة على التمييز والإدراك.
معيار المسؤولية الجنائية
واقعة "فتاة حدائق الأهرام" أو "فتاة الشاي" كما عُرفت إعلاميًا، والتي توفيت إثر حادث سيارة ملاكي كان يقودها قاصران، لم تتجاوز أعمارهما 15 عامًا، تأتي ضمن سلسلة من القضايا التي ارتبطت بجرائم القُصّر التي تجتاح عناوين الأخبار في مصر بين الحين والآخر، ولعل أبرزها وأكثرها بشاعة قضية "طفل الدارك ويب" عام 2024، والتي راح ضحيتها طفل في شبرا الخيمة على يد شاب بالغ بتحريض من مراهق خارج البلاد بهدف تصوير الجريمة وبيعها على مواقع الإنترنت المظلم، وانتهت بأحكام قضائية مشددة شملت الإعدام للمنفذ والسجن للمتهم الحدث.
يُعرّف قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون 126 لسنة 2008 الطفل بأنه كل من لم يتجاوز سنه الثامنة عشرة سنة ميلادية كاملة، ولا يقتصر هذا التعريف على التصنيف العمري فحسب، بل يحدد أيضًا نطاق المسؤولية الجنائية. فوفقًا للمادة (94)، تمتنع المسؤولية الجنائية عن الطفل الذي لم يجاوز 12 عامًا وقت ارتكاب الجريمة، لكن إذا صدرت منه واقعة تشكل جناية أو جنحة، تتولي محكمة الطفل، دون غيرها، الاختصاص بالنظر في أمره، مع إخضاعه للتدابير التأديبية التي تقررها المحكمة.
وبين سن 12 و18 عامًا، يميز القانون بين مراحل عمرية مختلفة في المعاملة القانونية؛ فالأطفال الذين لم يجاوز عمرهم 15 عامًا لا تُوقع عليهم العقوبات الجنائية التقليدية، وإنما تقتصر المحكمة على تدابير إصلاحية وتأهيلية نصت عليها المادة (101)، مثل التوبيخ أو التسليم أو الإلحاق ببرامج التدريب والتأهيل أو الإيداع في مؤسسات الرعاية الاجتماعية، أو أحد المستشفيات المتخصصة.
وفي الجرائم الجسيمة، يخضع من تجاوزوا 15 عامًا ولم يجاوزوا 18 عامًا لنظام عدالة الأحداث، الذي يقوم على فكرة الإصلاح أكثر من العقاب، لذلك يحظر القانون بموجب المادة (111) توقيع عقوبات الإعدام أو السجن المؤبد أو السجن المشدد على من لـم يجـاوز سـنه 18 عامًا وقت ارتكاب الجريمة. فإذا ارتكـب الطفـل الـذي تجـاوزت سنه 15 عامًا جريمة عقوبتها الإعـدام أو السـجن المؤبـد أو السـجن المشـدد يحكـم عليـه بالسـجن، وإذا كانت الجريمة عقوبتها السجن يحكم بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، بينما يجوز للمحكمة في حالات الجُنح استبدال الحبس بأحد التدابير الإصلاحية المنصوص عليها قانونًا في المادة (101).
ويلتزم التشريع في ذلك بسن 18 عامًا كحد فاصل للمسؤولية الجنائية لاعتبارات تتعلق بالاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الأمم المتحدة، والتي تعتبر كل من لم يبلغ 18 عامًا طفلًا يتمتع بحماية خاصة ويخضع لنظام عدالة يركز على إعادة التأهيل والإصلاح، ومبادئ تتبنى فكرة أن الهدف ليس العقاب المجرد، بل تقويم السلوك بما يضمن إعادة دمج الطفل في المجتمع وتقليل احتمالات العودة للجريمة.
غير أن معيار السن، رغم وضوحه قانونيًا، لا يحسم الجدل الدائر حول المسؤولية الجنائية للمراهقين، فالعلاقة بين العمر والنضج العقلي أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في حد زمني ثابت، وهو ما ظهر جليًا في الأبحاث الحديثة في علوم الأعصاب وعلم النفس التي تناولت تطور دماغ المراهقين، وفهم مدى تأثير هذا التطور في قدرتهم على الإدراك، وضبط السلوك، واتخاذ القرار، وما إذا كان ينبغي أن ينعكس ذلك على تقدير مسؤوليتهم الجنائية.
حدود الإدراك
خلال العقود الأخيرة، أظهرت دراسات التصوير العصبي أن دماغ الإنسان لا يكتمل نموه عند بلوغ سن المراهقة فقط، بل يستمر في التطور خلال سنوات الشباب المبكرة حتى منتصف وأواخر العشرينات، وتشير مراجعة علمية في مجلة Nature Neuroscience بعنوان "اتخاذ القرارات في دماغ المراهق" إلى أن من بين المناطق التي تتأخر في النضج نسبيًا "الفص الجبهي" أو القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن التخطيط، وتقييم العواقب، وضبط الاندفاع، واتخاذ القرارات الرشيدة.
لكن هذه الحقيقة العلمية لا تعني أن المراهق مُغيب عما يفعل، فأبحاث المكتبة الوطنية الأمريكية للطب تميز بين ثلاث قدرات مختلفة هي الإدراك، والتمييز الأخلاقي، والتحكم السلوكي، وتؤكد أن معظم المراهقين لديهم القدرة على إدراك طبيعة أفعالهم والتمييز بين الخطأ والصواب، ويعرفون أن القتل أو الاعتداء أو الاغتصاب أفعال مجرّمة قانونيًا ومرفوضة أخلاقيًا ودينيًا، إلا أن ما يكون أقل اكتمالًا لديهم هو القدرة على كبح الاندفاع ومقاومة الضغوط الاجتماعية والانفعالية واتخاذ القرارات في المواقف المشحونة بالعاطفة أو التوتر.
وتشير مراجعة حديثة نشرتها الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن دماغ المراهق لا يُعد دماغًا "غير مكتمل" بالمعنى الشائع، بل يمر بمرحلة تتميز بمرونة عصبية عالية تجعله أكثر قابلية للتعلم، وفي الوقت نفسه أكثر تأثرًا بالضغوط الاجتماعية والبيئية، وتؤكد المراجعة أن السلوك الاندفاعي أو الإجرامي لا يمكن تفسيره بعدم نضج الدماغ وحده، بل هو نتاج تفاعل معقد بين العوامل البيولوجية والاجتماعية والبيئية كما هو الحال في البالغين.
في الوقت ذاته، لا يتعامل العلماء مع جميع القُصّر باعتبارهم فئة موحدة، فأبحاث المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية تشير إلى أن مستويات النضج العقلي والانفعالي تختلف بصورة كبيرة من شخص إلى آخر، حتى بين أفراد العمر نفسه، لذلك لا تجزم الأبحاث بوجود علاقة مطلقة بين العمر الزمني والنضج العقلي، مؤكدين أن تطور الدماغ عملية تدريجية تختلف من فرد لآخر، حتى بين البالغين أنفسهم.
وبذلك لم تصل علوم النفس والأعصاب إلى نقطة تسمح باعتبار استمرار النمو العقلي سببًا لإعفاء القاصر من المسؤولية عن أفعاله، فالإجماع العلمي السائد اليوم لا يقول إن المراهق يفتقر إلى الإدراك، بل يقول إن قدرته على التحكم في السلوك واتخاذ القرار لا تزال في طور التطور، والتي تستمر لمرحلة أبعد بكثير من مرحلة المراهقة المعروفة، ومن هنا تظهر المعضلة التي تواجه القوانين حول العالم؛ فإذا كان بعض القُصّر يدركون أفعالهم إدراكًا كاملًا، فلماذا لا ينعكس ذلك دائمًا على مسؤوليتهم القانونية؟
بين القانون والعلم
في تفسيرها لاتفاقية الأمم المتحدة، تقول لجنة حقوق الطفل، المعنية بمراقبة تنفيذ اتّفاقية حقوق الطفل من قِبل الدول الأعضاء، إن السن معيار موضوعي وواضح وقابل للإثبات، بما يضمن المساواة بين جميع الأطفال أمام القانون ويجنب المحاكم الدخول في تقديرات قد تختلف من خبير إلى آخر، فبينما يمكن إثبات العمر من خلال الوثائق الرسمية، يظل النضج العقلي مفهوم أكثر تعقيدًا، يصعب قياسه بدقة أو الاتفاق على حدوده بصورة قاطعة.
لكن المفارقة أن القانون نفسه -المصري والدولي أيضًا- لا يكتفي دائمًا بالعامل القياسي المادي لقيام المسؤولية الجنائية، بل يشترط في حالات البالغين توافر الإدراك والإرادة، فالمادة (62) من قانون العقوبات المصري تنص على انتفاء المسؤولية الجنائية عمن يفقد الشعور أو الاختيار وقت ارتكاب الجريمة، إما لجنون أو عاهة فى العقل، وإما لغيبوبة ناشئة عن عقاقير مخدرة أيا كان نوعها إذا أخذها قهرًا عنه أو عن غير علم منه بها.
وبذلك يظل الجدل حول المسؤولية الجنائية للقُصّر متنافرًا بين اتجاهين رئيسيين؛ الأول يستشهد بمبدأ عدالة الأحداث في سن محدد باعتبارها قائمة على الإصلاح لا العقاب، مستندًا إلى أن التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي أكثر فاعلية من العقوبات المشددة في الحد من العودة للجريمة، فضلًا عن التزامات دستورية ودولية تفرض معاملة خاصة للقاصرين.
أما الاتجاه الثاني فيرى أن بعض الجرائم الجسيمة تستوجب معاملة أكثر صرامة تراعي حقوق الضحايا والمجتمع، واعتماد أفضل السبل لتحقيق التوازن بين حق القاصر في فرصة للإصلاح وحق الضحية في عدالة القصاص.
عدالة الأحداث عالميًا
يقوم نظام قضاء الأحداث الأمريكي على ثلاث مصالح رئيسية؛ حماية المجتمع، وتأهيل الشباب للإصلاح، وفي نفس الوقت مساءلتهم عن الأضرار التي تسببوا فيها تجاه الضحايا والمجتمع، حيث تسمح القوانين هناك بإسقاط صفة "الحدث" عن الشاب ومحاكمته كشخص بالغ وفق قواعد أشد في الجرائم الخطيرة، بحيث يجوز في جرائم معينة، كالقتل العمد أو الجرائم العنيفة، نقل القاصر من قضاء الأحداث إلى القضاء الجنائي الخاص بالبالغين وفق شروط محددة تتعلق بالسن أو نوع الجريمة أو قرار قضائي خاص.
ويتسم هذا النموذج بالمرونة أيضًا؛ إذ لا يقتصر على منظومة قضائية واحدة، بل يسمح في حالات معينة بمحاكمة الشباب عبر أكثر من نظام، بحيث يمكن أن يخضعوا لاختصاص قضاء الأحداث وقضاء البالغين، أو نظام قضاء الأحداث ورعاية الطفل في نفس الوقت، وذلك نتيجة تصاعد جرائم العنف الخطيرة التي يرتكبها القاصرون هناك، والاعتقاد بأن العقوبات التقليدية في تلك المنظومة قد لا تحقق الردع الكافي.
يقابل ذلك النموذج الأوروبي الذي يقوم على مبدأ "العدالة التصالحية" بدلاً من العقاب التقليدي، مؤكدًا على أن التعامل مع الأطفال داخل النظام القضائي يجب أن يأخذ في الاعتبار مصلحتهم الكبرى، ومرحلتهم العمرية، ونموهم النفسي والعقلي، لذلك يدعم فكرة وجود قضاء متخصص للأحداث وإجراءات تختلف عن البالغين، ويقوم هذا النظام القانوني على مبدأ أن الطفل يظل طفلًا، وأن اختلافه من الناحية النفسية والعصبية عن البالغ يبرر إخضاعه دائمًا لقضاء متخصص.
يوجد أيضًا نموذج ثالث يتبنى نهجًا وسطيًا بين المبدأ العقابي الكامل والحماية التقليدية للأحداث، ويقوم على الإبقاء على القاصر داخل منظومة عدالة الأحداث مع توسيع سلطات القضاء المختص في مواجهة الجرائم الخطيرة، وتُطبق بعض صور هذا النموذج في المملكة المتحدة، حيث يولي أهمية كبيرة لسن المشتبه به إذا كان طفلاً أو شاباً دون سن الثامنة عشرة، إذ يبلغ سن المسؤولية الجنائية في إنجلترا وويلز 10 سنوات، وهذا يعني أنه لا يجوز توقيف الأطفال دون هذا السن أو توجيه تهم جنائية إليهم.
أما الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و17 عاماً، فيمكن توقيفهم وتختص محاكم الأحداث هناك بالنظر في جرائم تشمل السرقة والسطو والسلوك المعادي للمجتمع وجرائم المخدرات، فيما تُحال الجرائم الأكثر خطورة إلى محكمة التاج، وهي محكمة عليا تختص بالنظر في الجرائم الجنائية الخطيرة، وتُحال إليها قضايا البالغين والأحداث في حالات معينة يحددها القضاء.
وبذلك تكشف قوانين قضايا جرائم القُصّر حول العالم أن معاملة الأحداث جنائيًا ليست مسألة عقابية خالصة، بل قضية نقاشية واسعة بين الردع وحماية المجتمع من جهة، وبين مراعاة الفروق العمرية والعقلية من جهة أخرى، والبحث بينهما عن صيغة أكثر عدالة وفاعلية للتعامل مع سلوك إجرامي يصدر عن فئات ما زالت في طور التكوين النفسي والاجتماعي.