باسم الجنوبي يكتب: أدب الجنون.. عندما يحكي المارستان كل شيء

كثيرًا ما كان الجنون ضيف شرف في كثير من الأعمال الأدبية وأحيانًا يكون صاحب البيت، ليس بوصفه مجرد مرض عقلي أو نفسي بل كأداة في السرد المختلف والنقد الاجتماعي والسياسي، وفهم فساد الواقع الذي لا يتجرأ على فضحه إلا من تسلّح عقله بالجنون؛ ليشير المجنون بأصبعه على جرائم المجتمع وهو يقهقه بسخرية - فيما يسبب ذلك أو هكذا يُنتظر- أكثر لحظات الوعي إنارة وثورة.

وجدنا هذه التيمة وأشباهها فيما عُرف بـ "أدب الجنون"؛ يستخدمها أدباء ويقتربون من حالتها قديمًا وحديثًا، مثل: وليم شكسبير في رائعته "الملك لير"، الإيراني صادق هدايت "رواية البومة العمياء"، لو شون عميد الأدب الصيني الحديث "قصة يوميات مجنون"، الروسي نيكولاي غوغول "رواية يوميات مجنون"، الأمريكي دنيس ليهان "رواية شاتر آيلاند"، الإيطالي جورجيو دي ماريا "رواية أيام تورينو العشرين"، الفرنسي يوجين يونسكو "مسرحية وحيدات القرن"، البرتغالي جوزيه ساراماغو "رواية العمى"، الأمريكي إدغار آلان بو "قصة القلب الواشي". وجدناها كذلك عربيًا في التراث القديم، وحديثًا مع جبران خليل جبران "قصة الملك الحكيم"، توفيق الحكيم "مسرحية نهر الجنون"، نجيب محفوظ "رواية ثرثرة فوق النيل"، إدوارد الخراط "رواية رامة التين"، صنع الله إبراهيم "رواية اللجنة"، ابراهيم نصر الله "رواية شرفة الهذيان"، واسيني الأعرج "رواية وردة لليل".

عبر هذا الجنون يُعبر المؤلف عما لا يُقال، ليُقال بوضوح على لسان المجنون بكل جرأة، وربما بوقاحة، وهو يهز بلسانه رأس وعقل القارئ، يحرضه على التفكير خارج عوائده عبر فك شفرات رسائل شديدة الأهمية، لكنها غالبًا ما تكون مغلفة بهالات الهذيان والسخرية والإباحة والعبث وأحيانًا الجريمة؛ ليكون التفكير معه مرتين: مرة في موضع الرسالة، وأخرى في فهمها. لذلك كان عنصر الجنون والشخصية التي تمثله هي الأكثر إثارة وجاذبية للقارئ بين الموضوعات والشخصيات في العمل الأدبي؛ بغموضها الواضح، وبوضوحها الغامض. وهذا من أروع ما يقدمه الأدب: مرانة عضلات العقل في الرؤية والفهم؛ تدريبات صعبة لكن متعتها الدائمة تستحق. وهذا ما نجده بوضوح مع جمال السرد في رواية "عكس اتجاه الصخب" للروائي عمرو دنقل (صدرت 2026)، وقبلها رواية "المارستان" للروائي محمد الجيزاوي (صدرت 2016).


من مارستان للمجتمع إلى مجتمع المارستان    

المارستان، أو البيمارستان (في صيغته الأقدم)، من أهم مؤسسات الزهو بالحضارة الإسلامية؛ هذا الصرح الذي أسسه المسلمون ليكون مؤسسة طبية وتعليمية تعتمد على الوقف بالكامل في تقدم العلاج والطعام والدواء بالمجان لجميع الفئات، كان أول ما ظهر في دمشق عام 88هـ/706م في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك. ثم ظهر "البيمارستان الرشيدي" في بغداد، أسسه هارون الرشيد أواخر القرن الثامن الميلادي، والبيمارستان الصلاحي بالقدس الذي أسسه صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر الميلادي، ومارستان سيدي فرج في فاس بالمغرب، أُسس في القرن الثالث عشر الميلادي، وصولاً إلى "البيمارستان المنصوري" في القاهرة على يد السلطان المنصور قلاوون. وقد تطورت هذه المؤسسة عبر الزمان لتشمل صيدليات، وأقسامًا منفصلة للعلاج والتمريض، وأماكن لتعليم الطب، ومكتبات وعيادات.

مع الانتكاسات الحضارية، تحولت أغلب مؤسسات المارستان التاريخية في عهد الاستعمار إلى سجون أو معتقلات، وتحول بعضها الآخر إلى أماكن شبيهة بالمعازل القسرية؛ ولم يكن السجن للمجرمين واللصوص، إنّما كان فقط لمن يطالبون بالحرّية ويفكّرون أكثرَ ممَّا يجب، فكان يتم التخلص منهم بسجنهم فيها بعد وصمهم بالجنون. وهكذا ذهبت مؤسسة المارستان لتكون مجرد ذكرى في التاريخ، وبقي اسمها فقط مُطلقًا على المستشفيات والمصحات النفسية التي طالما تم استخدامها لأغراض سياسية للتخلص من المعارضين، وهو ما كشف عنه ميشيل فوكو في كتابه "الجنون والحضارة"، حيث يرى أن هذه المؤسسة رمزت إلى "الحبس الكبير" للمختلين عقليًا، بمن فيهم المجانين الفقراء ومتشردو الشوارع .يطرح الكتاب كذلك فكرة أن "الجنون" ليس حقيقة علمية مطلقة، بل هو اختراع اجتماعي ضد مخلتلف أو معارض تم إقصاؤه وعزله من قِبل "العقلانية الحديثة والأنظمة" للسيطرة على الفئات الخارجة عن المعايير والقيم السائدة؛ لذلك كان يُعامل المرضى النفسيون المحتجزون معاملة الحيوانات في حدائق الحيوان أو السيرك، حيث كانوا يُحبسون في أقفاص ويُقيدون بالسلاسل ويُعرضون على الملأ في مستشفى "بيدلام" بلندن، ومستشفى "بيسيتر" في باريس، وأماكن أخرى في أوروبا. ولأن عصر التنوير كان يُعلي من شأن العقل، فقد نظر المجتمع إلى الأشخاص الذين فقدوا عقولهم على أنهم دون البشر. من هذا السردية التاريخية تنطلق أحداث رواية المارستان.

البداية قتل.. ثم نتحدث 

تبدأ رواية "المارستان" بجريمتي قتل، وجريمة هرطقة ثالثة في كنيسة؛ وتحمل هذه الجرائم وأصحابها المتهمون بالجنون متن الرواية وموضوعها الكامل. فمن خلال هؤلاء المجانين، تتم الإشارة إلى جرائم المجتمع وسلطته الأكثر وحشية من القتل الصريح لهؤلاء الأفراد، حيث يقول الكاتب على لسان إحدى شخصياته: "الجرائم تحدث على الدوام وتمثل مخدرًا جيدًا للعقل الجمعي، فينصاع للحكومات؛ ولتكن الجرائم دليلاً على أنه إن غابت الحكومة تحطم كل شيء".

سماع: الفتاة التي تقتل والديها وجارها بطريقة وحشية لتدخل المارستان. وبتتبع قصتها إلى الخلف، نرى فتاة آذاها بيتها بقسوته وإهماله ومحا شخصيتها، ويضعها أمام مجتمع يمحو كرامتها؛ وحين رأت خيانة أمها والجار، ولا مبالاة أبيها بأي شيء حتى النهاية، قررت الانتقام من الجميع وبدأت بأسرتها.

ديميان: المتدين المسيحي الذي يثير الكنيسة ويدعي أنه المسيح، يقف في وجه الكاهن ليمنع طقوس التناول؛ فيودعونه المارستان. وبتتبع قصته، نرى إنسانًا حمّله بيته ومجتمعه ما لا يطيق من واجبات، فقرر عقله الرحيل لعدم طاقته على تحمل ما يحدث.

رسول: رجل السرير، أو المجنون القادر على كشف خيانات الأزواج عبر الحديث مع السرير الذي ينامون عليه ليحكي له كل شيء، فيتم إيداعه المارستان. ثم نعرف أنه رجل أحرق جثة زوجته الخائنة، وهو الذي كان يعيش من أجلها ويرى أن فكرة الخيانة هي الجنون عينه؛ لذلك قرر كشف هذا الجنون حتى لو كان الجميع حوله يصفونه به. وهو لا يفضح الخيانة فحسب، بل يكشف ما هو أسوأ منها؛ فعندما جاءه رجل يسحب زوجته إليه ليتأكد من خيانتها، قال له رسول: "حتى لو أخبرتك أنها تخونك، فإنك لن تطلقها ولن تضربها، أنت فقط تريد أن تذلها لتأخذ مالها.. ما أنت إلا قواد".

حتى شهود هذه الجرائم لم يخلُ من جنون، مثل "لبيب" و"براءة" وغيرهم؛ شخصيات عاشت في بيوت لم تعاملهما كبشر، فعاملهما المجتمع كبهائم لا أكثر. تقول براءة: "لقد آذاني الجميع وكان أبي يعرفُ كلَّ شيء، لقد تركني ولم يردَّهم عنّي، ثم تركني ومات. لم يكن من حقّه أن يموت قبل أن يضربَ جارنا! كلُّ الفتيات يتنعّمنَ بحضن آبائهنَّ، ووحدي لا يحِنُّ عليَّ أحد.. كانت أمه تجرّه بحبلٍ من رقبته، حكى لي كيف كانت تذلّه في صغره، فأذلّني أنا كما أذلَّته أمّه".

هنا نحن أمام شخصيات ورثت الأذى، فأورثت هي الجنون؛ لهذا استمر وجوده حتى بعد أن حاولت السلطات تجفيف منابعه باصطياد المجانين وقتلهم مع الأطباء وكل من شهد على كلامهم المُعادي والمُعدي. ومع ذلك.. عاش الجنون حتى آخر سطور الرواية، "شجرة المانجو طرحت عنبًا".

عندما يتحول الجنون إلى قرار

يقول صاحب "مسرح القسوة" أنطونين أرتو: "المجنون ليس سوى رجل رفض المجتمع أن يستمع إليه، بل وأراد أن يمنعه من البوح بحقائق لا يحتملها عقل ".في الرواية وجدنا مواطنين كانوا يعانون بشكل عادي، ثم أصبحوا يعانون بشدة، وعندما فقدوا احتمال المعاناة؛ قرروا أن يكونوا مجانين، ليصرخوا، ويحكوا بطلاقة ما أوجعهم طوال حياتهم. وهكذا أصبح الجنون مُعديًا يزداد ويتسع، حتى المجانين فيه ليسوا سواء؛ فبعضهم حكيم، وبعضهم لئيم، ومنهم الطيب، ومنهم المجرم والقاتل، وهناك المجانين الحالمون، والمجانين المتأهلون، والمجانين الذين يعيشون حياة الموتى.

حتى في الجنون لا تتساوى الطبقات.. فأغلبُ الأغنياء يدورُ جنونُهم حول أشياءَ مرفهة؛ كتلك المرأة العجوز التي ترى أنها وردةٌ، وتعاني اختناقًا وتفزعُ من ذبولها الوشيك بسبب الروائح الكريهة الصادرة عن الناس، أو ذاك الثريّ صاحب الشركات الذي كان يرى موظفيه شياطين قذرين، يتجسدون في هيئة بشر ليسرقوا خزائنه في الليل. وبتصنيف أكثر شمولية؛ فإن الشخصيات في الرواية كما في الحياة؛ بعضهم عايش جنونه وجعله حياته، وبعضهم استخدم الجنون لتمرير تعاسته. مع هذه الاختلافات؛ لديهم إجماع على أن الجنون الحقيقي ليس داخل المارستان. يقول ناصف (كبير الأطباء في الرواية): "ليس هنا، ليس هنا.."، فسأله الطبيب الشاب: "ما هو ذاك الذي ليس هنا؟"، قال له: "المرض. المرض ليس هنا، بل خارج الأسوار.. هنا الحصاد".

ختامًا؛ من أهم وظائف الأدب أنه يُعلم من يتألم ولا يقدر على التعبير؛ كيف يُعبر عن وجعه وألمه، وفي زمن اشتد فيه الوجع عن قدرة الأرواح على التحمّل، وعجز فيه اللسان عن التعبير؛ يأتي "أدب الجنون" ليكون لمن يعاني مؤنسًا، ولمن يقاوم معلمًا، ولمن يظلم محذرًا.. والحكيم من اعتبر بما يقرأ.