من العبث أن يدّعي أيٌّ منّا أنه ملاك، وليس من المنطق أن يكون أيٌّ من الآخرين شيطاناً مطلقاً.
على الرغم من أن التعاميم بصفة عامة تريحنا فإنه ليس من الحكمة الركون إلى إغراءات تبنّيها والدفاع عنها بأيّ قدر؛ ففي حياتنا، وبالنظر إلى ما يبدو واحدة من أعظم متناقضات وجودنا تأثيراً، لا يبدو الناس والكائنات منقسمين إلى معسكرين متناقضين أحدهما يمثّل الخير والآخر الشر، قدرَ ما نبدو جميعاً متأرجحين بين طرفَي متناقضة الخير والشر بأشكال ودرجات متفاوتة كشأننا مع جميع متناقضات وجودنا مثلما أشرنا مراراً؛ فالخير والشر ليسا إذن بدعاً على صعيد التضاد بحال من الأحوال.
ولأن الصدق هو قدرتنا على فعل الحقيقة، كما ذهبنا في "طريق الحكمة السريع"، فإننا كثيراً ما نوقِع أنفسنا في حبائل الكذب ليس لأننا سيّؤون ابتداءً وإنما لأننا نعجز عن فعل الحقيقية – مكتفين بالتشدّق بها وحسب – في هذا الموقف وذاك. بذلك، يغدو من العسير أن نقف على أصل نوايانا ونحن نختار أن نكذب انحيازاً إلى مصالحنا بشكل أو آخر؛ وما فائدة النية الطيبة أصلاً إذا لم تقدنا إلى فعل الخير؟ بل ما فائدة نية الخير إذا ظلّت تقودنا إلى فعل الشر بدرجة أو أخرى ولا تحسن في مقام التبرّؤ/التطهّر أفضل من اختراع الأعذار؟
معضلة متناقضة الخير والشر أشدّ تعقيداً من كوننا نُقرّ بالخير ولا نجرؤ على الإقدام نحوه والثبات عليه فعلاً؛ إنها ابتداءً متجذّرة في التعريف نفسه بدرجة ربما كانت الأعظم على صعيد المتداخل من المعاني المتناقضة. وبالعودة إلى "طريق الحكمة السريع" فإن "الخير والشر كثيراً ما يُشكِلان عليّ إلى درجة أنْ أخال أنهما يتبادلان الأدوار"، فالمسألة ليست في أننا نخطئ في حق صورة من صور الخير نظنها شرّاً ثم تنجلي غمامة كانت على بصائرنا لنكتشف أن تلك الصورة كانت خيراً محضاً، أو العكس مع إحدى صور الشر. معضلة الخير والشرّ أنهما بالفعل يبدوان كما لو كانا يتبادلان الأدوار باستمرار، ليس على هيئة انقلاب كامل وإنما تبادل أدوار لهذه الصورة وتلك على الجانبين في كل مرة بحسب التجربة الخاصة بكلّ منّا في مواقف بعينها أو وفق تجارب إنسانية عامة تجمعنا في أي نطاق.
من الخير أن نقف باعتدال إزاء كل متناقضة في الوجود، ولكن ذلك لا يجب أن يعني بحال التعامل مع المتناقضات كما لو أننا نستخدم أدوات قياس صمّاء معايَرة بدقة فائقة. بذلك، ليس من الحكمة المسارعة إلى القول بأن في كلّ منّا جوانب متساوية من الخير ومن الشر؛ وفي المقابل يبدو مثالياً بدرجة مزعجة القول بأننا فُطرنا على الخير وأن الشرّ طارئ. الحقيقية – المزعجة بدورها بقدر ما يمكن زعم الاقتراب منها – تقضي على الأرجح بغلبة نزعة الشرّ، فالأخير – إذا كان لا بدّ من الاختيار بخصوص ما جُبلنا عليه – يبدو الأقرب إلى الفطرة، فضلاً عن كونه الأوسع والأشدّ تسيّداً لمشاهد الحياة والوجود على اختلافها، وذلك بقدر ما يمكن الزعم بأي مستوى من الاتفاق على تعريف الشر.
لا حرج إذن من التأكيد على أنه "دوماً هناك متسع للخبث، حتى إن الصدق يوشك أن يدمن العيش في الزوايا الضيقة لطرق الحياة"؛ هذا مجدداً بافتراض قدر مقبول من الاتفاق على ما هو خبيث/كاذب وما هو طيّب/صادق رجوعاً إلى أيٍّ من المعايير المعلنة في أي من المجتمعات أو السياقات؛ ونقول "المعلنة" لأننا عادة ما نصنع قيمنا ونعلنها تحت مسمّى "الخير" لتفضح ممارساتُنا بعدها استحالة تطبيق ذلك "الخير" وانتصار نقيضه "الشر" الأيسر والألذّ ممارسة إمّا من وراء ستار أو علناً في صحبة ذرائع مختلَقة لتبريره أو حتى من أجل تقديمه على أنه التجلّي الواقعي للخير كما عرّفناه في دساتيرنا المنصوصة أو أعرافنا المحفوظة في الصدور.
بالانتباه إلى كوننا جميعاً شركاء في صنع معضلة الخير والشر، أو على الأقل ضحايا لها بدرجات متفاوتة، لا يغدو من الحكمة أن يلوم أيّ طرف منّا الآخر بصورة مطلقة انطلاقاً من أنه على صواب وأن خصمه على خطأ بالاتّكاء على أية مرجعية أخلاقية، فـ"عندما أُمعن في التماس المبررات أكاد أجزم أن الخطأ الوحيد الذي اجترحته البشرية هو اشتقاقها لكلمة الخطأ"؛ ذلك عند الاحتكام إلى معاييرنا الأخلاقية المختلفة لا باختلاف المكان والزمان فحسب وإنما ضمن المكان نفسه في زمان بعينه؛ أمّا بالرجوع إلى "فطرة" مصالحنا الذاتية – سواء على النطاق الفردي أو الجمعي على أي صعيد – فإن المنفعة تبدو ذريعة محكمة النفاذ للإقناع بتمرير كل حماقة نرتكبها في حق الآخرين.
بكل ذلك في الاعتبار، ألا نبدو جميعاً مذنبين ومعذورين في الوقت نفسه مع كل مواجهة لنا إزاء متناقضة الخير والشر؟ ألا تبدو تلك كما لو كانت المتناقضة التي تتجاوز/تبتلع متناقضة الخير والشر نفسها أم إنها ليست سوى متناقضة أخرى في إطار الحلقة المفرغة الكبرى لمتناقضات الوجود؟