مطروح للنقاش!
لقاء وزير الدولة للإعلام، الأستاذ ضياء رشوان، مع رؤساء تحرير المواقع الإلكترونية المصرية يوم 22 سبتمبر فتح ملفات تستحق نقاشًا أوسع من حدود المهنة وأهلها، فمستقبل الصحافة المحترفة والمستقلة، وحق الحصول على المعلومات الدقيقة في الوقت وبالشكل المناسب، ليسا شأنًا يخص الصحفيين وحدهم. هذه حقوق تعود للناس بالأساس، قبل أن تكون مطالب فئوية لأصحاب المهنة.
والناس لا يمكن أن يحصلوا على صحافة تليق بهم، وتخبرهم بالوقائع، وتبصِّرهم بما يجري من حقائق وتساعدهم على الفهم.. ومن ثمَّ اتخاذ القرار السليم، دون معلومات متاحة ودقيقة وسريعة وجاذبة أيضًا، وبالضرورة صحفيين قادرين على العمل بحرية ومسؤولية وتحت حماية قانونية ونقابية وستر مالي في ظل مؤسسات إعلامية تستطيع الاستمرار وتطوير نفسها.
لذا أجد نفسي -بشكل شخصي- سعيدًا جدًا بأن الفترة الأخيرة شهدت طرح موضوعات جادة، وبعضها مصيري، على مائدة النقاش المهني.
وهذا في حد ذاته أمر صحي، لأن المهن لا تتطور بالصمت المطبق، ولا بالإجماع الدائم.. ولكن بالاختلاف، والشدّ والجذب، وتدافع الأفكار، ومبارزة الحجة بالحجة، للوصول في النهاية إلى صيغ أفضل وأكثر نضجًا، تخدم المجموع، وليس الفرد!
والصحافة تحديدًا لا يمكن أن تتقدم دون هذا النوع من الحوار، بخصوص مستقبل المواقع الإلكترونية، العلاقة مع المنصات الرقمية العالمية، الأوضاع الاقتصادية للمؤسسات، وحقوق العاملين بها.
وقريبًا يدخل النقاش إلى مستويات أخرى لا تقل أهمية: آليات تضمن تداول وتدفق المعلومات، تطوير التواصل بين الإعلام والجهات الرسمية، مواجهة الشائعات والتضليل، التمويل والاستدامة للمؤسسات الإعلامية، ثم التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي في المهنة ومستقبلها.
المهم في كل هذا، ألا نتسرَّع في الحكم، وألا نقابل أي فكرة بالسخرية المقيتة التي أصبحت عبئًا -بعد أن كانت أحيانًا ميزة!- على نقاشات مصيرية في حياتنا! وألا يتحول الاختلاف لسوء فهم، أو تتحول مناقشة الأفكار لتخوين لها ولأصحابها قبل حتى فهمها !
وفي رأيي، فإن من أبرز ما خرج به لقاء السيد الوزير الزميل ضياء رشوان مع الزملاء الأعزاء رؤساء تحرير المواقع الإلكترونية، تأكيد أن المهنية الصحفية لا ترتبط بوسيلة النشر، وأن الصحافة الرقمية أصبحت مكوِّنًا أساسيًا من المشهد الإعلامي، وتمثّل اليوم أكبر قنوات النشر والانتشار في مصر.
وهنا، أعتقد أن علينا أيضًا النظر إلى المشهد نظرة أوسع من مجرد عدد المواقع الموجودة، أو عدد التقارير والأخبار المنشورة، أو ما يطفو كل يوم على سطح "الترند".
مصر، داخليًا وخارجيًا، تحتاج إلى مشهد رقمي أكبر وأكثر تنوعًا؛ مواقع إخبارية كبيرة، وأخرى صغيرة ومتوسطة، ومواقع متخصصة، ومنصات تهتم بالمحافظات والقضايا والقصص المحلية، وتصل إلى شرائح ودوائر قد لا يلتفت إليها "الترند" أصلًا؛ فهو في النهاية يعكس تفاعل شريحة من الجمهور، وليس المجتمع كله.
ومع هذا الانتشار تأتي مسؤولية أكبر أيضًا: الدقة، والتحقق، واحترام الخصوصية، وتطوير المؤسسات وأدواتها بالسرعة نفسها التي تتطور بها التكنولوجيا.
ولهذا أرى مثلًا أن قرار المواقع المشاركِة في اللقاء التنظيم- أتمنى ألا يكون القرار المنع في المطلق- الذاتي لعملية تصوير الجنازات والعزاءات بداية مهمة، وخطوة على الطريق، ليس فقط بسبب القرار نفسه، ولكن لأنه يُقدّم مثالًا على أن جزءًا من الإصلاح المهني يمكن أن يبدأ من داخل المؤسسات وبالتوافق فيما بينها، دون انتظار تشريع أو قرار حكومي في كل مرة.
لكن المهنية وحدها لن تحلّ كل شيء!
يبقى في رأيي واحد من أهم الأسئلة التي يجب أن تكون على مائدة النقاش: كيف نبني مواقع ومنصات رقمية مصرية قوية اقتصاديًا، وقادرة على الاستمرار والنمو، والاستثمار في المحتوى والتكنولوجيا والعاملين بها؟
لأننا إذا أردنا صحافة أفضل، فنحن نحتاج أيضًا إلى مؤسسات أقوى وأكثر استدامة.. وفي المقابل، لا قيمة لقوة المؤسسة دون قواعد مهنية واضحة تحكم عملها.
المهم عندي أن العجلة بدأت تتحرك فعلًا، ليس لأن الحلول أصبحت جاهزة، ولكن لأن الأسئلة والملفات الحقيقية أصبحت -أخيرًا- على مائدة النقاش.