من المرات القليلة المُبهجة؛ أن يصنع حدث ثقافي حالة مبهرة من البهجة والفرح في الشارع المصري. ربما لأن الحدث هذه المرة كان مُميزًا؛ لأن بطلته طفلة مصرية، "ميار محمد عثمان" ابنة الأحد عشر عامًا، طالبة مدرسة الشهيد حمدي شرابي الحكومية بمحافظة كفر الشيخ (تعليم حكومي في أحد الأقاليم التي تعاني تحديات اقتصادية حادة). حققت ميار فوزاً على عشرات الملايين من القرّاء في الوطن العربي، لتحصد المركز الأول في تحدي القراءة العربي، وتفوز بالملايين أموالًا وقلوبًا.
استثمار حالة البهجة والفخر عالية الدرجة الحاصلة هو واجب الوقت الذي تفرضه مصلحة العبّاد والبلاد على المؤسسات الثقافية والتعليمية والدينية؛ لجعل فوز ميار نموذجاً يشير إلى أن الشغف بالقراءة الحرة يمكنه أن يكون طريقاً للتحقق والنجاح والشهرة والثروة. كما يثبت أن جمال اللغة العربية يملك القدرة على التعبير وتسييل جبال الأفكار على ألسنة الأطفال إذا لقوا العناية، وأن مصر في أصعب أحوالها ما زالت تستطيع تصدير النوابغ كباراً وصغاراً إلى ميادين المنافسة في الدنيا، ليعودوا إليها وقد تصدروا القائمة.
يقول أنيس منصور: "نحن نتحمس للفكرة كما نتحمس لعود ثقاب، يشتعل سريعاً ويضيء، ثم يتركنا في ظلام أشد"، بالإضافة إلى نسبة الأمية التي لا تليق بأم الدنيا 16.6% من سن 10سنوات فأكثر، تؤكد الأرقام أن واقعنا لا يخلو من ظلام شديد، وأن البيئة التي صنعت فوز ميار تعد استثناءً لا قاعدة؛ وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء؛ يبلغ عدد المكتبات العامة في مصر نحو 1353 مكتبة، يبلغ عدد المترددين عليها 3.42 مليون منهم 465 ألف على المكتبات العامة، مقابل 2.7 مليون يترددون على المكتبات الجامعية والمعاهد. ما يعني أن الاستفادة من المكتبات ترتبط بدرجة كبيرة بالاحتياج الدراسي والأكاديمي وليس بالقراءة الحرة والتثقيف الذاتي. وفي تقرير اليونسكو عن صناعة الكتاب الأفريقية المنشور عام 2025، نجد أن البنية المكتبية المصرية تضم 923 مكتبة عامة، و482 مكتبة أكاديمية، و29.429 مكتبة مدرسية، و48 مكتبة متخصصة.
بغض النظر عن تعداد الشعب المصري الذي يقترب من 110 ملايين نسمة يعيش أكثر من نصفه بالقرى التي يتجاوز عددها 5600 قرية ونجع، ويحتاج إلى أضعاف مجموع عدد هذه المكتبات. إلا أنه في حالة التعامل مع الواقع والنضال بأقل الإمكانات، فهذه الأرقام لا تخبرنا إن كانت المكتبات تتوزع بين المدن والأرياف، وبين العاصمة والأقاليم بشكل يكفي لتنشئة وتشجيع أجيال قارئة في كل مصر، ولا تخبرنا عن مدى إتاحة هذه المكتبات للجميع ومدى عملها بكفاءة، كم طفلاً يدخلها بإرادته، كم كتابًا يقرؤه خارج المقرر الدراسي. لذلك يخبرنا الواجب أنه لا بد من وجود مسح وطني دوري، واضح ومتاح للجمهور، يقيس: زيادة عدد المكتبات وكفايتها وفاعليتها، سعر الكتاب ومدى مناسبته لدخل المواطن، متوسط عدد الكتب التي يقرؤها المصري سنوياً، توزيع القرّاء حسب العمر والمحافظة والمستوى الاجتماعي. غياب هذه المؤشرات ليس مجرد نقص إحصائي؛ لكنه عائق حقيقي أمام وضع سياسة ثقافية قابلة للقياس والمتابعة والعمل والتقييم والإثابة والمحاسبة.
لدينا في مصر والمنطقة العربية مسابقات وجوائز ثقافية كبرى؛ من الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) وجائزة (كتارا) للرواية العربية إلى جوائز الدولة المصرية، وبينهما عشرات من جوائز الشعر والقصة القصيرة وقراءة القرآن والقراءة الحرة والفنون؛ لكن.. ماذا بعد حصول الفائز على جائزته؟!
هل لدينا نظام مؤسسي يتابع الفائز بعد الجائزة؟ هل تتاح له فرص نشر، وترجمة، وتوزيع لأعماله؟ هل تتم الاستفادة من خبرته في التعريف والتدريب؟ هل توجد بيانات عن التحولات المهنية والاقتصادية التي جدت على الفائزين السابقين؟
حان الآن أن يكون لدينا مؤسسات رعاية لهؤلاء واستفادة من خبراتهم، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية لديها دراسات تتابع أحوال الفائزين بالجوائز بعد حصولهم عليها. غياب هذه المؤسسات في حد ذاته يستحق التعجب والانتباه؛ لأن تكريم المُبدع لا ينبغي أن يكون نهاية العلاقة بين المؤسسة الثقافية وصاحب الإنجاز، بل بداية لها.
فوز ميار كان كبيراً، يستحق مؤتمراً أو منتدىً على مستوى المسؤولين الذين يترجمون كلامهم إلى قرارات وبرامج عمل. أتصور أن تتضمن هذه البرامج ما يلي:
• إطلاق مبادرات ومسابقات قراءة إقليمية ومحلية مستمرة طوال العام، ومتاحة للجميع على مستوى المدارس والجامعات والنوادي والأحياء ودور العبادة، على أن تُخصص لها جوائز مادية ومعنوية قوية للمبدعين والقرّاء.
• تفعيل دور مكتبات المدارس ومراكز الشباب والمساجد والكنائس بتزويدها بالكتب الحديثة، وتشكيل مجالس إدارة قارئة وواعية، تعرف كيف تتعامل مع رواد المكتبات وتجذبهم وتشجعهم.
• إطلاق مشروع وطني متكامل لقياس معدلات القراءة، ينشر سنوياً بيانات وإحصاءات واضحة عن عدد القراء، والكتب المقروءة، ومعدلات استخدام المكتبات، وتحديد الفئات العمرية والمحافظات الأكثر والأقل إقبالاً على القراءة؛ لنعرف أين نقف وإلى أين نريد الوصول.
• تخصيص ميزانيات كافية لزيادة الكتب الجديدة بمكتبات المدارس، والقرى، والنجوع. ودعم المبادرات الأهلية المستقلة التي تعمل على نشر المعرفة، وإشراك دور النشر والمكتبات والمثقفين في هذا المشروع.
• إنشاء برنامج وطني أو مؤسسة لرعاية ومتابعة الفائزين في المسابقات الثقافية، لا ينتهي دورها بتسليم الجوائز والشهادات، بل يمتد لمتابعة تطورهم، وتوفير الكتب والتدريب وفرص المشاركة لهم، ورصد مساراتهم بعد الفوز. وبالتأكيد، يشمل هذا البرنامج المبدعين الفائزين بجوائز الدولة والجوائز الأدبية الكبرى.
• مع إبراز النماذج الرائدة والمُشرفة في مسابقات القراءة يجب ألا يفوتنا إعادة الاعتبار لمعلمي المكتبة وأخصائيها، وللمعلم الذي يكتشف موهبة الطفل، وللأسرة التي تقتطع من دخلها المحدود جدًا لتشتري كتاباً، وللمبادرات الصغيرة التي تعمل بعيداً عن الأضواء وفي ظروف مادية صعبة.
بالطبع هذه البرامج الثقافية مكلفة ماديًا وتحتاج إلى تمويل وميزانية، في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية والإقليمية والمحلية، مع ذلك.. لا تُعذر الحكومات من شح إنفاقها على الثقافة وتوفير الكتب؛ كون الثقافة أحد أهم دعائم الأمان الفكري والاجتماعي وحق أصيل من حقوق الناس، وأول الطريق إلى حياة كريمة، كما يقول العميد طه حسين "القراءة هي زاد الشعب التي تنقله إلى حياة أرقى". لكن الدعوة الأهم هنا تتوجه إلى رجال الأعمال لدعم حركة القراءة والثقافة؛ ليس تفضلاً منهم بل واجب يحمي المجتمع من موجة جهل تأتي على الأخضر واليابس وتحرق كل أحلامهم الاستثمارية.
دعوا ميار تستمتع بفوزها، ولا تستعجلوا تحويل طفلة في الحادية عشرة إلى مشروع إعلاني، لا تجعلوا من شخصها مادة للاستخدام الحزبي، ولا تُحملوها مسؤولية تمثيل مستقبل الثقافة المصرية. فلنحترم طفولتها وندعها تستمتع بفوزها بعيدًا عن صخب الكاميرات وتجارة الشاشات. لننشغل نحن من الآن بصناعة نجوم قادمين من القرّاء الجدد، بتوفير بيئة تُسهّل عليهم وعلينا تكرار فرحة الفوز بالقراءة؛ هذا أشرف ألف مرة من الوقوف والتجارة بلحظة عانت هي وأسرتها كثيرًا لتصل إليها.
الطفل الفائز في مسابقة قراءة لا يحتاج إلى لقب إضافي أو إطلالة فضائية مُتكررة بقدر احتياجه إلى مكتبة عامة مفتوحة، كتب متاحة، مُعلم يرشده، ومؤسسات ترعاه وتسانده، ومجتمع يُقدر القراءة حتى عندما لا تكون هناك جائزة أو كاميرا أو مسؤول في انتظار التصفيق، يحتاج إلى بيئة تجعل القراءة جزءًا من حياته لا مجرد طريق إلى منصة التتويج؛ يحتاج إلى مناخ يوفر أكسجين الثقافة اللازم لحياة ما بعد الجائزة ويُمهد لميلاد جيل جديد من القرَّاء، توفير هذه البيئة كان يجب أن يحدث منذ زمن وجوبًا لا تفضلًا، ولم يفت وقته ولا تسقط المطالبة به بالتقادم، كما يقول ألبرتو مانغويل: «القراءة، شأنها شأن التنفس تقريبًا، وظيفة أساسية من وظائفنا».هكذا يمكن أن يكون لدينا مليون ميار. الفخر الحقيقي ليس أن تفوز طفلة مصرية بمسابقة قراءة، وإنما أن تصبح القراءة حقًا متاحًا وممارسة يومية لملايين الأطفال والكبار.
أما بعد؛ واجب الوقت أن نبدأ سريعًا حتى لا يتحول فوز ميار إلى مناسبة عابرة، تنتهي وتُنسى، مثلما حدث مع كبار أدبائنا الذين حصدوا جوائز عربية وعالمية، مشاهد فرح مؤقتة وتنتهي، لتعود – إن عادت- بعد سنوات طويلة ونكرر نفس الإهمال. أخشى أن يكون فرحنا بفوز ميار كفرحنا بأهداف محمد صلاح، نشاهدها ونتحمس لها ونحتفل بها ونحكي عنها ونحن نلتهم كل أنواع الدهون ونحبس بما تيسر من أحجار الشيشة، ثم يطير الحماس مع الدخان.
نرشح لك:
بعد جدل لكنتها.. والد ميار الشوربجي يوجه رسالة لمنتقديها
باسم الجنوبي يكتب: أدب الجنون.. عندما يحكي المارستان كل شيء