معتز نادي يكتب: الإعلام يأكل نفسه.. من الرابح في حرب الشاشات؟

قرأت دراسة حديثة عن الإعلام الأمريكي، وتوقفت أمام رقم يصعب التعامل معه كأنه مجرد تفصيل.

على "فوكس نيوز"، يظهر خطاب ينتقص من الصحافة أو يهاجم مؤسسة إعلامية أخرى مرة كل 14.5 دقيقة تقريبا.

وعلى MSNBC يحدث ذلك مرة كل 61 دقيقة، بينما على CNN مرة كل 140 دقيقة.



بصيغة أبسط، إذا جلست أمام "فوكس نيوز" وقتا يكفي لإعداد فنجان قهوة وشربه على مهل، فهناك فرصة كبيرة لأن تكون الصحافة نفسها قد دخلت المشهد باعتبارها متهما.

19 مليون كلمة تحت المجهر

مع مرور الأسبوع الأول من أكتوبر، موقع "نيمان لاب"، التابع لمؤسسة نيمان للصحافة بجامعة هارفارد، نشر عرضا لنتائج دراسة أعدها فريق من مركز ديويت والاس للإعلام والديمقراطية بجامعة ديوك.

الباحثون درسوا ما أطلقوا عليه "الانتقاص المتبادل بين الصحفيين"، أي التصريحات السلبية الموجهة إلى مؤسسة صحفية محددة أو إلى الإعلام عموما.

في الدراسة، وجدت أن حجم العمل وحده لافت عبر 15 عاما من نصوص البث بين 2011 و2025، و3,543 نصا، ونحو 19 مليون كلمة، أي ما يعادل قرابة 62 ألف صفحة.

ولتحليل هذا الحجم، درب الفريق نموذج GPT-5.5 من OpenAI باستخدام دليل ترميز من 20 صفحة، وبالمقارنة مع عينات بشرية، قال الباحثون إن النموذج حقق دقة 99.5% في التعرف إلى الحالات، و100% في تجنب الحالات السلبية الكاذبة.


من يهاجم من؟

إلا أن الأهم من حجم البيانات هو اتجاهها، فالنتائج مع "فوكس نيوز" تتجلى معها أن "الإعلام" نفسه الهدف الأكثر تكرارا، ثم CNN، ثم "الإعلام السائد".

وفي المقابل، كانت "فوكس نيوز" الهدف الأول للانتقاد على CNN وMSNBC، لكن بوتيرة أقل كثيرا، فيما تصدر شون هانيتي قائمة مقدمي البرامج الأكثر ممارسة لهذا النوع من الخطاب، يليه جريج جوتفيلد ثم تاكر كارلسون.

كما وجدت الدراسة أن الفارق بين الشبكات ظل واضحا عبر السنوات الـ15، رغم تراجع مستوى الانتقاص على "فوكس" نيوز خلال الفترتين السابقتين لانتخابات 2016 و2024، قبل أن يعود في 2025 إلى مستويات قريبة من ذروته، وهي ظاهرة لم يحسم الباحثون تفسيرها.


الثقة في دائرة الخطر

ولفتني سؤال أكبر من المنافسة بين الشاشات، وهو ماذا يحدث عندما تتحول المؤسسة الإعلامية من الدفاع عن روايتها إلى إقناع جمهورها بأن بقية الروايات لا تستحق الثقة أصلا؟

الأرقام المسجلة في "جالوب" تجعل السؤال أكثر إلحاحا، ففي 2025 هبطت ثقة الأمريكيين في وسائل الإعلام إلى 28%، وهو أدنى مستوى سجله الاستطلاع، بينما لم تتجاوز الثقة بين الجمهوريين 8%، مقابل 27% للمستقلين و51% للديمقراطيين.

وفي سبتمبر 2026 ارتفعت الثقة العامة إلى 33%، وقفزت بين الجمهوريين إلى 22%، لكنها ظلت، بحسب "جالوب"، ضعيفة تاريخيا.


في رأيي، تبدأ القصة الحقيقية من هذه المعطيات، فالصحافة الحزبية ليست جديدة، فهي تميل إلى اتجاه، وقناة أقرب إلى اتجاه آخر.

ومع ذلك، الأمر يصبح مختلفا عندما يتحول هدم صدقية المنافس إلى منتج يومي، فيما يصف بعض الباحثين ذلك بـ"الإعلام المناهض للإعلام"، وهو أن تستخدم أدوات الصحافة ومظهرها لكي تقنع الجمهور بأن الصحافة نفسها لا تستحق ثقته.

ومن المهم ألا نحمل الدراسة ما لم تقله، فالباحثون لم يثبتوا أن هذا الخطاب هو سبب انهيار الثقة، ولم يساووا بين النقد المهني والهجوم غير المبرر، لكن الفارق كبير بين المساءلة وبين تحويل المنافس إلى هدف دائم.

عندما يخسر الجميع

ولا تبدو القصة أمريكية فقط، إذ بنظرة موسعة قد نجد شاشة تشكك في منصة، ومنصة تسخر من صحيفة، ومؤثرا يعلن أن الجميع يخدعونك وأن الحقيقة، بالمصادفة السعيدة، موجودة كاملة في هاتفه.

ربما يكسب كل طرف جولة، وعلى الرغم من ذلك فالجمهور قد يخرج بالنتيجة الأسوأ وهي "لا أثق في أحد".

والصحافة تستطيع أن تخسر سبقا وتعوضه، وتخسر مشاهدا وتسترده، بينما إذا خسرت الثقة، فالمعادلة تصبح أصعب بكثير.

فقد تنتصر قناة على منافستها، أو يكسب مؤثر معركة ضد صحيفة، لكن إذا انتهت المباراة والجمهور مقتنع بأن "كل الإعلام لا يصدق"، فلا تبحث كثيرا عن الخاسر.

إنه الإعلام نفسه.

معتز نادي يكتب: ماذا لو أصبحت "السوشيال ميديا" باشتراكات؟