لماذا استطاع مهرجان الجونة السينمائي أن يحجز لنفسه مكانًا واضحًا في المشهد الفني ويحافظ على حضوره، بينما لا تزال مهرجانات أخرى تبحث عن التأثير نفسه، رغم أن مصر تمتلك تاريخًا سينمائيًا عظيمًا ونجومًا كبارًا ومواهب تستحق فرصًا أكبر؟
السؤال ليس انتقاصًا من أي مهرجان، لكنه يستحق أن نطرحه ونحن نتحدث عن بلد كانت السينما فيه جزءًا من قوته الثقافية وتأثيره العربي. ومن هنا تأتي تجربة عائلة ساويرس مع مهرجان الجونة باعتبارها نموذجًا يستحق التأمل، ليس لمجرد نجاح حدث فني، بل لفهم كيف تتحول الفكرة إلى مشروع له هوية وحضور واستمرارية.
أول درس تقدمه الجونة أن النجاح لا تصنعه النجوم وحدها. فالسجادة الحمراء قد تمنح المهرجان صورًا لامعة، لكنها لا تصنع مكانته بمفردها. ما يصنع الفارق هو الرؤية التي تقف وراء الحدث، والإدارة التي تحولها إلى واقع، والاهتمام بالتفاصيل التي قد لا يلاحظها الجمهور، لكنه يشعر بأثرها في التجربة كلها.
فالمهرجانات لا تتقدم بعدد الكاميرات التي تستقبلها بل بقيمة ما تقدمه للسينما، وبقدرتها على جعل الجمهور ينتظر عودتها.
وهنا تظهر أهمية الاستثمار في الفن، حين يتجاوز تمويل مناسبة سنوية إلى بناء مشروع يحتاج إلى تطوير مستمر، وتراكم الخبرات والعلاقات، وصناعة سمعة تزداد رسوخًا مع الوقت. وتجربة عائلة ساويرس تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول دور القطاع الخاص في دعم الثقافة، وكيف يمكن لرؤية واضحة وإدارة جيدة أن تمنحا المشروع الفني فرصة للنمو والتأثير.
فالمال وحده لا يصنع مهرجانًا ناجحًا، مثلما أن الأفكار الجيدة لا تحقق أهدافها بمجرد امتلاك أصحابها الحماس. الفارق يظهر في القدرة على تحويل الفكرة إلى عمل منظم، والطموح إلى خطة، والنجاح إلى مشروع قابل للاستمرار.
وهنا يبرز سؤال أمام المهرجانات المصرية: هل نتعامل مع المهرجان باعتباره حدثًا ينتهي بإطفاء الأضواء، أم مشروعًا ثقافيًا تتراكم قيمته من دورة إلى أخرى؟
ليس المطلوب أن تتشابه المهرجانات أو أن تتحول جميعها إلى نسخ من الجونة؛ فلكل مهرجان ظروفه وجمهوره وإمكاناته. لكن من حق الجمهور أن ينتظر تطورًا حقيقيًا، ومن حق السينما المصرية أن تجد منصات تليق بتاريخها وتفتح أبوابًا أمام أجيال جديدة من صناعها.
المشكلة ليست أن مهرجانًا نجح، بل أن نعتاد نجاحه حتى يصبح استثناءً بدلًا من أن يكون حافزًا للآخرين.
فمصر لا تعاني نقصًا في المواهب أو الأفكار، وإنما تحتاج إلى مشروعات تعرف كيف تكتشف هذه المواهب وتمنحها الفرصة. وحتى المهرجان الذي لا يمتلك ميزانية ضخمة يستطيع أن ينافس بفكرة مختلفة، وبرنامج سينمائي جيد، واهتمام حقيقي بالأفلام وصناعها؛ لأن الجودة لا تبدأ دائمًا من حجم الإنفاق، بل من حسن توظيفه ومعرفة الأولويات.
ولا تقع المسؤولية على إدارات المهرجانات وحدها، بل تمتد إلى الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الثقافية، التي يمكنها توفير بيئة تشجع الاستثمار في الفن، وتدعم المشروعات الجادة، وتربط المهرجانات بصناعة السينما واحتياجات المبدعين، بدلًا من أن تظل فعاليات منفصلة عن واقعها.
الإشادة بتجربة عائلة ساويرس ليست إعلانًا أن النجاح حكر على أصحاب رؤوس الأموال، وإنما تقدير لدور الاستثمار حين يقترن برؤية وإدارة واهتمام بالتفاصيل. والهدف من الاحتفاء بتجربة ناجحة ليس الاكتفاء بالإعجاب بها، بل البحث عن طرق تتيح تكرار النجاح بأفكار مختلفة وإمكانات تناسب كل تجربة.
مصر تستحق مشهدًا سينمائيًا أكثر قوة وتنوعًا، تتنافس فيه المهرجانات على جودة ما تقدمه، وتجد المواهب فرصتها، ويحصل الفن على ما يستحقه من اهتمام. فالفن لا يعيش بتاريخه وحده؛ إنه يحتاج إلى من يؤمن به، ويستثمر فيه، ويعرف كيف يمنحه المستقبل الذي يستحقه.