هذه السطور لا علاقة لها بأية مناوشات فيسبوكية ، لكنها تتعلق بمصالحة تاريخية تأخرت كثيرًا مع الأسرة العلوية . والفضل في بداية تلك المصالحة يعود إلى المفكر الراحل د. جابر عصفور الذي أقام عام 2005 احتفالية ضخمة بمناسبة مرور مئتي عام على تولي محمد علي حكم مصر 1805 ، لينهي بذلك خصومة غير مقبولة مع جزء من تاريخنا شئنا أم أبينا.

وأعود إلى الأميرة فوزية التي لا يجب أن تذكر في سجلات التاريخ بوصفها جميلة الجميلات التي تغزل فيها السياسيون والشعراء ولا تنبع أهميتها من زواجها الأسطوري من ولي العهد الإيراني ، ولكن كاريزما الأميرة فوزية – في رأيي- تنبع من ثقافتها التي لم يأنف الشاه أن يتحدث عنها وعن تفوقها على نساء البلاط الإيراني :"كانت مؤنسة ومرحة وذات ثقافة مصقولة تتقن الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية والإنجليزية والألمانية واليونانية والروسية والتركية بطلاقة .بينما أنا وأشقائي لا نتقن غير الفارسية والإنجليزية والفرنسية. عندما جاءت "فوزية" من القاهرة إلى طهران كانت كمن انتقل من باريس إلى قرية صغيرة نائية حيث كانت القاهرة مدينة عالمية ذات مباهج كثيرة متنوعة الحركة والثقافة".

كانت الأميرة فوزية مثقفة وعرفت بدورها في العمل الاجتماعي منذ أسس والدها الملك فؤاد مطعمًا للفقراء باسمها ، كانت تشرف عليه رغم أن عمرها لم يتجاوز 14 عامًا ، وبعد طلاقها من الشاه عادت للقاهرة لتتولى مبرة محمد علي ، وكان أول قرار اتخذته التبرع للمبرة ب 1000 جنيه.
وحين نذكر "مبرة محمد علي " فلابد أن نستعيد اسم وذكرى مؤسسة هذا الصرح الخيري الذي تولى علاج المصريين لفترة طويلة ، وهى الأميرة عين الحياة أحمد رفعت الزوجة الأولى للسلطان حسين كامل.

وقد اتخذت قرار إنشاء المبرة في لحظة درامية كانت فيها على فراش الموت وقد حزّ في نفسها أن تقوم زوجة المندوب البريطاني في مصر بإنشاء مستوصف لعلاج المصريين ، وقد بادرت بمناقشة الفكرة تحديدًأ مع السيدة هدى شعراوي التي سبق لها الاعتذار عن حضور حفلة شاي دعت إليه الأميرة عين الحياة للتعارف بين الليدي كرومر والسيدات اللواتي ساعدن في تأسيس "مستوصف الليدي كرومر "، وقالت لها :" لقد فهمت حقيقة المشاعر التي منعتك من حضور الحفلة التي أقامتها الليدي كرومر ، والحقيقة أنني أشعر بالخجل من عدم قيامنا نحن المصريات بمشروع جليل كهذا ، وكان الواجب علينا أن نكون سباقات في هذا الميدان ، ولذلك فكرت في تأسيس مستوصف تكتتب لإنشائه الأميرات والسيدات المصريات فنكون قد أدينا خدمة للوطن والإنسانية".
تروي هدي شعراوي أن الأميرة دعتها بعد أسبوع من هذا اللقاء إلى قصرها بشارع الدواوين ، فوجدت عددًا كبيرًا من الأميرات وكرائم السيدات المصريات حيث تشكلت لجنة من الأميرة نازلي حليم كرئيسة والأميرة عين الحياة أمينة للصندوق ، ومدام فوكيه وإحدى الأميرات سكرتيرتين ، وبعض الأعضاء من باقي السيدات واكتتبت كل واحدة منا بمبلغ لا يقل عن خمسين جنيها . وفي الاجتماع أعلنت "عين الحياة" أن سمو الأميرة والدة الخديو "أمينة هانم إلهامي" ستتبرع بمبلغ كبير وبمئة وعشرين جنيهًا سنويًا وأن الخديو عباس حلمي الثاني وقرينته سيشتركان في هذه المبرة . ثم وزعت على الحاضرات طوابع عليها رسم امرأة تضم إليها طفلة فقيرة من فئة القرش صاغ لتقوم الحاضرات ببيعها وإضافة الحصيلة على التبرعات لتكون رأسمال الجمعية.
كما قررت توزيع بعض هذه الطوابع على المديريات والمحافظات والمراكز والوزارات للمساعدة في رأسمال الجمعية . وتم توريد الحصيلة للأميرة عين الحياة التي كانت قد سافرت للاستشفاء في أوروبا لكن المرض تمكن منها . وبعد وفاتها كادت همة الأميرات أن تفتر بشأن مشروع المبرة وطلبن من نجلها الأمير كمال الدين حسين المبالغ التي كانت لدى والدته من التبرعات وحصيلة بيع الطوابع . ولما طلب منهن إثباتا بذلك، استطاعت هدى شعراوي عن طريق صديقة فرنسية ومن خلال أوراق سمو الأميرة تحديد المبالغ التي تم جمعها لإنشاء المبرة والتي بلغت ثلاثة آلاف جنيه دفعها الأمير على الفور ، وبدأت السيدة هدى شعراوي تنفيذ مشروع المبرة وإنشاء المدرسة لتربية أمهات المستقبل بشراء منزل كبير في شبرا على مساحة فدان تم شراؤه بمبلغ 2200 جنيه وقام محمود باشا فهمي بترميمه ، وبدأ عمل المبرة عام 1909.

حسب وصية الأميرة عين الحياة اقتصرت رئاسة المبرة على أميرات الأسرة العلوية ، وربما قصدت من ذلك أن تظل المبرة تلقى الاهتمام اللائق . كما أوصت بأن تكون كافة أعضاءها من النساء . وبالفعل تولت رئاسة هذه الجمعية ست أميرات : الأميرة أمينة سعيد حلمي ، الأميرة زينب محمد عبد الحليم ، الأميرة عزيزة حسن ثم شقيقتها الأميرة عفت حسن ، الأميرة شيوكار ، الأميرة فوزية . وكانت هذه الرعاية الملكية للمبرة ، سببًا في زيادة رقعة نشاطها وافتتاح أفرع لها في الأقاليم ومنها الأسكندرية وبورسعيد . كان آخرها فرع المحلة الكبرى الذي افتتحته الأميرة فوزية في 25 أبريل 1952 وترأسته الأميرة هنزادة عثمان أوغلوزوجة الأمير المصري محمد علي إبراهيم .

قامت المبرة بدور مهم عند تفشى الأوبئة خصوصًا داء الكوليرا عام 1909 ثم وباء الملاريا 1942-1945 ، وتكونت بعثات من الأطباء والممرضات للعناية بالمصابين وشارك فريق من المتطوعات في توزيع الأغطية والأغذية . وقامت لطفية يسري ابنة الأميرة شيوه كار وزوجة أحمد باشا حسنين بتمريض مصابي الصعيد. وأنشئت عدة فروع للمبرة في كل محافظات مصر . بل امتد أيضا نشاط المبرة إلى خارج حدود مصر وتحديدًا فلسطين ، حيث نظمت الأميرة فوزية حفلة بالمبرة في مايو 1948 ، وجه إيرادها لأطفال فلسطين تبرعت خلالها الأميرة فوزية ب 500 جنيه,
بعد 23 يوليو 1952تأممت المبرة كسائر المؤسسات الملكية، وإن ظلت المستشفيات التابعة لها تقدم خدماتها للمحتاجين حتى يومنا هذا، لتبقى صدقة جارية على روح الأميرة عين الحياة ويظل المسجد الذي بني من أموال وقفها ووفق وصيتها في شارع مصر والسودان مثقالا لها في الميزان حتى وإن أطلق عليه البعض اسم شيخ اشتهر بدروسه فيه هو الشيخ كشك.