صدور كتاب "مدخل إلى السينما الجزائرية" لعبد الكريم قادري

صدر حديثا عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والمعروفة اختصارا بـ "مجد"، الكائن مقرها بلندن ولبنان سابقا، كتاب "مدخل إلى السينما الجزائرية" للباحث والناقد السينمائي عبد الكريم قادري، وذلك في الربع الأخير من سنة 2026، في 332 صفحة، بتصميم غلاف للفنان زبير فارس، ومقدمة للمخرج السوري محمد ملص، ليقدم قراءة تحليلية شاملة لتاريخ وتطور الفن السابع في الجزائر منذ الاستقلال وحتى العصر الحديث، من السينما الثورية التي ولدت في جبهات القتال، وصولا إلى انتكاسة التسعينيات وسينما العشرية السوداء.


حققت السينما الجزائرية سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي، نجاحا أسطوريا على العديد من المستويات، حين كانت أفلامها تدخل أعرق المهرجانات العالمية، وتخرج منها منتصرة، مكللة بالجوائز، متجاوزة بذلك أعمالا سينمائية لدول لها تجارب عريقة في الصناعة السينمائية. ويزداد الإعجاب بهذه السينما حينما يتم التعرف على ظروف مخاضها العسير وولادتها الصعبة، والكيفية التي تكون من خلالها أصحاب هذه الأفلام المتوجة، وسط الجبال والغابات والأحراش الجزائرية، على وقع دوي المدافع، وأزيز الرصاص، لينعكس هذا التكوين إبان الحرب وبعد الاستقلال مباشرة، وهذا عندما أسسوا لسينما وطنية ناجحة، أكملت نجاح الثورة التحريرية "1954-1962"، بمساعدة "سينمائيي الحرية"، على رأسهم المخرج الفرنسي "رونيه فوتيه"، والذي يعد الأب الروحي للسينما الجزائرية رفقة كل من جمال الدين شندرلي وغيرهم.


انعكست ثمار هذا المجهود سريعا على مستوى الأعمال المنتجة من طرف مؤسسات السينما الجزائرية وبتسمياتها المختلفة، "مركز السمعي البصري، ديوان الأحداث الجزائرية، المركز الوطني للسينما، المعهد الوطني للسينما، المركز الجزائري للسينما...الخ". وأكبر نجاحاتها بداية، كانت مع أول فيلم خيالي جزائري بعنوان "سلم فتي" 1964، لجاك شاربي، لتتوالى بعدها الإنتاجات إلى أن تصل إلى فيلم محمد لخضر حمينه "ريح الأوراس" 1966، الذي دخل به المنافسة الرسمية لمهرجان "كان"، وخرج منها بجائزة العمل الأول، صرح حمينة مؤخرا في أحد حواراته الصحفية بأن الفيلم كاد أن يأخذ السعفة الذهبية، بفارق صوت واحد، لكن المخرج السينغالي صمبان عصمان لم يعطه هذا الصوت، لأسباب لم يذكرها، لكن بعد سنوات عاد حمينه إلى نفس المهرجان، بفيلم "وقائع سنوات الجمر" 1975، الذي يروي أحداثا سياسية واجتماعية لفترات زمنية مختلفة من تاريخ الجزائر إبان الاستعمار الفرنسي، واستطاع هذه المرة أن يفتك السعفة الذهبية.


أما بالنسبة للإنتاج المشترك، فقد عرفت الجزائر أهميته باكرا، ودوره في تكوين وخلق الكوادر الجزائرية، عن طريق الاحتكاك المباشر مع المخرجين الكبار وحتى التقنيين، إذ كانت البداية مع فيلم "معركة الجزائر" 1966، الذي حصد جائزة "الدب الذهبي" بمهرجان البندقية السينمائي "فينيسيا"، وهو عمل أخرجه الإيطالي جوليو بونتكورفو، كإنتاج مشترك مع الجزائر، كما حصد الفيلم الجزائري "z" للمخرج الفرنسي ذو الأصل اليوناني "كوستا غافراس" جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي سنة 1969، هذا العمل الذي تحول إلى أيقونة حرية في العالم، أما العنوان "زاد" فبات رمزا يتم إسقاطه على كل اغتيال سياسي، وبالتالي تكون الجزائر قد حصدت أهم الجوائز العالمية "الدب الذهبي"، "السعفة الذهبية"، "الأوسكار"...الخ.


كانت المؤسسة السينمائية الجزائرية تملك نظرة متزنة واستشرافية فيما يخص الإنتاج المشترك، لهذا كان للأعمال المنتجة في الصيغة المذكورة، الأثر البالغ على العديد من المستويات، "فكرية وحضارية وسياسية واجتماعية" بعد أن فتحت نقاشات عالمية، وهذا ما حدث أيضا مع المخرج المصري الكبير يوسف شاهين، الذي حقق ثلاثة أفلام بالتعاون المشترك مع الجزائر، وهي "العصفور" 1972، و"عودة الابن الضال" 1976، و"اسكندريه ليه" 1978، وهي من الأعمال المضيئة في تاريخ السينما العربية.


بالتوازي مع هذه الانتصارات الخارجية للسينما الجزائرية، لا بد أن نشير إلى السينما المحلية التي حققت هي الأخرى انتصارات فنية وحتى تجارية على مستوى شباك التذاكر، وهذا ما حدث مثلا مع فيلم "العفيون والعصا" 1969، لأحمد راشدي، ناهيك عن الأفلام ذات النزعة الكوميدية، مثل فيلم "حسان طيرو" 1968، لمحمد لخضر حمينه، الذي حقق نجاحا ساحقا على مستوى الشباك، ما دفع بالعديد من المخرجين الجزائريين إلى استغلال هذا النجاح، إذ أرفقوه بأجزاء أخرى، وهي "هروب حسن طيرو"، و"حسن النيه"، و"حسن الطاكسي".


لتنفتح الأبواب لتجارب كوميدية أخرى، من بينها "عطلة المفتش الطاهر"، و"المفتش الطاهر يسجل الهدف"، و"هروب المفتش الطاهر" و"المسهول"، وهي تجارب من بطولة حاج عبد الرحمن المعروف بـ "لسبيكتور"، ويحى بن مبروك المعروف بـ "لبرانتي".


في غمرة كل هذه النجاحات، فاجأ المخرج مرزاق علواش الجميع، من خلال فيلم اجتماعي ساخر بعنوان "عمر قتلاتو" 1976، فكسر من خلاله الخط الذي رسم للسينما الجزائرية، وهي معالجة لـ "ثيمة" الثورة كقيمة محورية في أي عمل سينمائي جاد، لتأتي بعدها سنوات الثمانينات التي شهدت بروز أسماء وأفلام كثيرة، أغلبها كوميدية، سبق وأن ذكرنا بعضها، لتعرف بعدها السينما الجزائرية انتكاسة كبرى سنوات التسعينيات، حيث دخلت في نفق مظلم، وهي الفترة الزمنية التي باتت تعرف لاحقا بالعشرية السوداء.


مع بداية سنوات الألفية الجديدة، بدأت السينما الجزائرية في الظهور من جديد، من خلال تجارب حديثة، على يد مخرجين قدامى أو آخرين تربوا وعاشوا أو تلقوا تكوينهم وتعليمهم في المعاهد الفرنسية، لتبدأ بعدها السينما الجزائرية في إعادة الخلق، من خلال أفلام كل من نذير مخناش، ورشيد بوشارب، ومرزاق علواش، وعمور حكار، ويمينة شويخ، وفاطمة بلحاج، وفاطمة الزهراء زعموم وآخرين، ناهيك عن البصمة الجديدة التي "أطلق" عليها مصطلح "سينما العشرية السوداء"، وهي الأفلام التي تناولت سنوات الإرهاب في الجزائر، مثل فيلم "رشيدة" ليمينة شويخ، وفيلم "يما" لجميلة صحراوي، و"عطور الجزائر" لرشيد بلحاج، و"البطلة" لشريف عقون، و"المنارة" لبلقاسم حجاج، و"دوار النسا" لمحمد شويخ، وثلاثية مخناش، وثلاثية علواش...الخ.


كما عادت السينما الثورية من جديد، من خلال تحول مفهوم الثورة من عمل جماعي مشترك، إلى خلق البطل الفرد وتمجيده، بواسطة أعمال كل من أحمد راشدي، في أفلام "مصطفى بن بولعيد" و"كريم بلقاسم" و"العقيد لطفي"، وسعيد ولد خليفة في فيلمه "أحمد زبانه" ناهيك عن الأعمال التي يتم تحضيرها الآن، كفيلم "العربي بن مهيدي".


وقد برز في هذه الفترة العديد من المخرجين الجدد الذين بدأوا يؤسسون لتجربة سينمائية جديدة، لكنها تجربة لا تصنع التوجه السينمائي العام، إذ لا يمكن خلق اتجاه معين على أساسها، لكن نجد ضرورة ملحة في ذكرها والتنويه لأصحابها، سواء في الفيلم الروائي القصير أو الطويل، أما الجنس الأول فتمثله تجربة عبد النور زحزاح في فيلم "قراقوز"، و"العابر الأخير" لمؤنس خمار، و"الممر" لأنيس جعاد، أما الأفلام الطويلة فيمثلها كل من لياس سالم في فيلميه "مسخرة"، و"الوهراني"، كما أن هناك تجارب إخراجية أولى تعطي الأمل في بعث سينما جزائرية جديدة، يعكسها كل من ياسين بن الحاج في فيلم "راني ميت"، ولطفي بوشوشي في فيلمه "البئر"، وأفلام أخرى لا يمكن ذكرها جميعا.


ويقدم الكتاب قراءة تحليلية شاملة لتاريخ وتطور الفن السابع في الجزائر منذ الاستقلال وحتى العصر الحديث. يستعرض الكتاب مرحلة السينما الثورية التي ولدت في جبهات القتال وكيف استخدمت الكاميرا كسلاح في "معركة الصور" لتدويل القضية الجزائرية بمساعدة "سينمائيي الحرية". كما يبرز الكتاب المحطات الكبرى للسينما الجزائرية، مثل حصد الجوائز العالمية، كالسعفة الذهبية والأوسكار، مرورا بالإنتاج المشترك مع كبار المخرجين كيوسف شاهين، وصولا إلى انتكاسة حقبة التسعينيات وتداعياتها التي أفرزت ما يعرف بـ "سينما العشرية السوداء".


كما يسلط الضوء على قضايا محورية مثل الهوية، والجوهر الإنساني في السينما، ودور السينما الأمازيغية والنسوية، مستعرضا تجارب رواد هذه الصناعة أمثال الطاهر حناش، ومحمد لخضر حمينة، وعبد الرحمن بوقرموح. يخلص الكتاب في النهاية إلى ضرورة تجاوز السينما الاستعجالية واللهاث خلف شباك التذاكر، والانفتاح على مواضيع إنسانية عميقة تلامس وجدان الفرد والمجتمع، لتعيد للسينما الجزائرية بريقها وعالميتها.


وعبد الكريم قادري هو كاتب وناقد سينمائي جزائري، صدرت له عدة مؤلفات ومراجع في الدراسات السينمائية، ركزت على تعميق النظرية السينمائية وتحليل ونقد الأفلام، وقد نتج عن هذا عدة كتب، أبرزها: "سينما الشعر: جدلية اللغة والسيميولوجيا في السينما" (منشورات المتوسط، 2016)، و"سينما الرؤى" (مهرجان وهران الدولي، 2017)، و"شعرية السينما: أسئلة البناء والدلالة" (دار رشم ومهرجان أفلام السعودية، 2022)، و"جمالية التلقي في السينما الوثائقية" (دار جسور وجمعية السينما السعودية، 2024)، و"السينما التونسية/ سرد الجسد وهواجس المعنى" عن المؤسسة الجامعية للدراسات "مجد" (2025).


شارك "قادري" في العديد من المهرجانات والمحافل السينمائية العربية والدولية كمحاضر وعضو لجان تحكيم في كل من: مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي، ومهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية، ومهرجان وجدة للفيلم المغاربي، وأيام قسنطينة للفيلم المتوج، ومهرجان ايمدغاسن الدولي للفيلم بباتنة، ومهرجان قلبية الدولي لفيلم الهواة بتونس وغيرها.


تولى مهام تحريرية في مجلات متخصصة مثل "السينمائي" (قطر)، كما شغل عضوية هيئة تحرير "كراسات سينمائية" (السعودية)، إضافة لعضوية في لجان تحكيم جوائز النقاد للأفلام العربية والأوروبية التي تعلن نتائجها على هامش مهرجاني "كان" و"القاهرة" السينمائيين، ويكتب حاليا وبشكل منتظم في كل من صحيفة "العربي الجديد" وغيرها من المنابر الأخرى.