سهير عبد الحميد تكتب: الصحافة.. بطل من ورق!

جاء اكتشاف مقبرة الفرعون الذهبي في ظرف زمني مشتعل؛ فأصداء هتافات المصريين في ثورة 1919 ما زالت تتردد هنا وهناك، تطل برأسها بين زفرات إحباط بعدما عاد زعماء الحركة الوطنية من فرساي خالي الوفاض، وقد أيقنوا أن ما قيل عن حق الشعوب في تقرير مصيرها مجرد شعارات جوفاء لذر الرماد في العيون.

لكن ها هي الصحف المصرية تعيد إلى الوجدان الشعبي الأمل فتجعل من الملك "توت" بطلا شعبيًّا في مواجهة الإنجليز، فنطالع على صفحات "اللطائف المصورة" في عددها الصادر في 29 من يناير 1923، صورة مرسومة للملك توت وهو يجلس داخل تابوته مكفهر الوجه يصرخ في وجه اللورد كارنارفون الإنجليزي ممول حملة كارتر الأثرية قائلا: "فَهِمَ شعبك الذي يدعي المدنية أن مصر كانت لا تزال عريقة في المجد منيعة الجانب تحميها الآلهة وتثأر لها من الغزاة المستبدين، فاغسلوا الإهانة التي ألحقتموها بها، وأعيدوا زعيمها الأكبر، وإلا استنزلت روحي ليحل عليكم السخط والنقمة إلى الأبد".

وحين تجرأ كارتر على وزير الأشغال العمومية مرقص باشا حنا وعارض قراراته معتبرًا مقبرة "توت عنخ آمون" ملكية شخصية له ، انبرت "الأهرام" كالفهد الشرس تهاجم كارتر وصحف الإنجليز .

وواصلت "الأهرام" دورها في حماية التاريخ المصري، فانطلق من منبرها أول حملة لاستعادة آثار مصر المنهوبة في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو ما يرويه الأثري دكتور سليم حسن :"في أحد المتاحف، اقترب مني رجل وهمس في أذني باللغة الإنجليزية وهو يضحك: انظر إلى التحفة التي أمامك، إنها رأس نفرتيتي من آثار قدماء المصريين. أنا لم أعثر عليها فى أوروبا ولكنها من مصر.. أتعرف من الذي سرقها من مصر؟ أنا الشخص الذي أمامك. وضحك بسخرية، وارتعد بدني عندما سمعت ذلك.. لكنه استطرد والابتسامة الساخرة ما زالت تطفو على وجهه أن المصريين لا يعرفون شيئا عن آثارهم. إنهم لا يعرفون شيئًا عن رأس نفرتيتي مثلًا.. ومنذ ذلك اليوم أخذت صورًا لرأس نفرتيتي ومعها مقالات عن آثارنا المسروقة ونشرت بجريدة الأهرام. وكانت أول مرة يعرف المصريون شيئا عن رأس نفرتيتي".

وتلقفت صحفنا المصرية القضية وتناولتها سنوات وسنوات ونشرت العديد من المقالات للأثريين وفي مقدمتهم عبد الحليم نور الدين الذي كتب مرارًا مهاجمًا مزادات الآثار في الخارج التي تتداول آثارنا المنهوبة . وهو ما ساعد على استعادة عشرات القطع.

وفي السبعينيات وقفت الكاتبة دكتورة نعمات أحمد فؤاد كالوتد في مواجهة الرئيس السادات منددة بمشروع "هضبة الأهرام"، والذي كان يستهدف نزع مساحة 10 آلاف فدان من هضبة الأهرام لبناء بحيرات وملاعب جولف وفيلات وفنادق وتبنت عدة صحف القضية فتراجع الرئيس وأصدر قرارًا جمهوريًا بإلغاء المشروع.

في التسعينيات وبفضل حملة على صفحات "الأهرام" أيضًا، أنقذ الشاعر والكاتب فاروق جويدة قصر الأمير محمد علي توفيق بالمنيل من براثن شركة إيجوث الحكومية التي كانت قد أقامت فندقًا على جزء من حديقة القصر التي تضم نباتات وأشجار نادرة جلبها أثناء رحلاته من كل أنحاء العالم وترك القصر والحديقة ليكونا وقفًا ومتحفًا للمصريين .ولم يتهم أحدهم آنذاك جويدة أو الأهرام بأنها تعارض سياسات الدولة.

وفي معركة لا تقل عنها ضراوة وعلى صفحات "أحبار الأدب" قاد الكاتب الراحل جمال الغيطاني حملة لإنقاذ الآثار الإسلامية والاهتمام بها، مشيرًا إلى ما تعانيه الوكالات التجارية الأثرية من تعديات أوعدم عناية حتى صارت تحت رحمة المياه الجوفية، فبدأت بسبب حملته تلك أكبر عملية إنقاذ للقاهرة التاريخية، وما زلت أذكر له "مانشيت بيت السحيمي يموت واقفًا" الذي كان سببًا في إنقاذ أحد أهم البيوت الأثرية الإسلامية.

ولأنى أنتمي إلى مدرسة سناء البيسي الصحفية فلابد أن أذكر تجربتها الصحفية من خلال مجلة "نصف الدنيا" في توثيق تاريخ الحجر والبشر ومقالاتها عن الفنون والخطوط والمخطوطات، وغيرها من ألوان التراث حتى كانت المجلة أشبه بمرجع للمثقفين ومحبي التاريخ.

كما أذكر الكاتبة الراحلة أفكار الخرادلي التي تولت زمام مسئولية المجلة لاحقًا، فحين عرضت عليها كتابة سلسلة عن قصور مصر التاريخية وما تعانيه من إهمال، رحبت على الفور -ولم تقل أبدًا– وهى التي كانت من قبل مندوبة الأهرام لدى الرئاسة أن هذا سيغضب الدولة.

بل على العكس تمامًا رأت أن هذه السلسة قد تساهم في إنقاذ جزء غالِ من تراثنا وقد حققت هذه السلسلة نجاحًا هائلا وقد حولتها لاحقًا إلى كتاب عنوانه "قصور مصر" نشرته الهيئة العامة للكتاب.. وأحمد الله أن كثيرًا من القصور التي نبهت إليها تم ترميمها.

هذه ببساطة هي الصحافة التي مارست دورًا تاريخيًا ومازالت لحماية تراث مصر الثقافي هكذا جاهدت من أجل الهوية الوطنية والوعي القومي جهادًا كبيرًا بذلت مثله في كل المجالات: أكياس الدم الفاسدة وقضايا البيئة و قضايا الأحوال الشخصية وأطفال الشوارع و..و.. فقط ذكرت ما يتعلق بدور الصحافة في حماية التراث الثقافي وهو مجال اهتمامي، لتذكرة القلة التي تحرض على الصحافة وحريتها وتخلط الحابل بالنابل، بمدى الجرم الذي يقترفونه في حق المجتمع.

هذه هى الصحافة لو كنتم تفقهون.. بطل لم تصنعه قوته المادية بل قوة تأثيره المعنوية، بطل صنعه ورق نقش بمداد الحق.

نرشح لك: سهير عبد الحميد تكتب: تاريخ لا يكذب ولا يتجمل من أجل الهوية الوطنية