حين قررت حركة 23 يوليو 1952 إلغاء تاريخ مصر قبلها واصفة إياه بـ(العهد البائد )، لم تكتف بتغيير مناهج التاريخ وتبديل أسماء لافتات الشوارع التي نزع منها أسماء الصالح والطالح ومنهم من كانت له أياد بيضاء على المجتمع لكن مجرد انتمائه إلى ذلك الزمن دون حول منه ولا قوة كان كفيل بإعدام سيرته وإنكار جهوده.
حرم على تلاميذ المدارس ذكر اسم محمد علي، وهو ما روته لي إحدى المنتسبات للأسرة العلوية، فقد عنفتها المدرسة لإصرارها على أن محمد علي هو بان القناطر الخيرية، حتى صوت أم كلثوم فكر أحدهم في وأده ليحرمنا من إبداعات الست لمجرد أنها غنت للملك فاروق.
امتد الأمر إلى الدراما، فوضعت شارة سوداء على صورة الملك البادية في الأفلام الابيض والاسود. في تحد عقيم لسجلات التاريج واستهزاء جريء بالذاكرة الجمعية.
وبعد أزمة مارس 1954، التي قيدت بعدها حرية الرئيس محمد نجيب بين جنبات قصر المرج ونفي معها البكباشي يوسف صديق، قرر المسئولون آنذاك شطب اسم محمد نجيب كأول رئيس لجمهورية مصر وبدأوا تاريخ الجمهورية بعبد الناصر، وفي ظنهم أن الكبار سيموتون والصغار ينسون.
واليوم ينزع اسم سوزان مبارك من مشروعها الثقافي الأهم (مكتبة الأسرة)، والذي مازال في مكتبتي حتى اليوم منه أهم المراجع التي ألجأ إليها من الخطط التوفيقية وموسوعة وصف مصر وحوليات أحمد باشا شفيق والعديد من المترجمات عن التاريخ المصري بكل فصوله وغيرها وغيرها من أمهات الكتب، التي طبعت طباعة فاخرة وبأسعار زهيدة جعلت الكتاب في كل بيت مصري، وهذا خطأ لو تعلمون عظيم.
لقد أثبتت التجارب أن التاريخ لا ينسى ولا يمكن تزييفه مهما طال الأمد. لقد عاد اسم الملك فاروق في ساحات البحث والدراسة والدراما وعاد اسم محمد نجيب وسيعود يوما اسم سوزان مبارك لسبب بسيط.. أنهم جزء من تاريخ مصر شئنا أم أبينا.
إن التاريخ ليس ملكا لأحد بل هو ملك كل الاجيال.. وأي محاولة لتزييف الوعي الجمعي سيأتي عليها يوما وتفشل.كما أن علينا أن نكف عن التعامل مع الشخصبات العامة بمنطق الملائكة والشياطين، فعبد الناصر كانت له إخفاقاته وانتصاراته وأسرة محمد علي كانت لها أياد بيضاء على المجتمع وأخرى سوداء.
لا يوجد في تاريخ البشرية حكاما ملائكة بعد عمر بن الخطاب وحفيده عمر بن عبد العزيز، بل إن ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان رضي الله عنه أخطأ حين ميز أقاربه ففتح بابا للفتنة.
لقد حمدت للرئيس السابق مبارك إعادته اسم محمد نجيب، وحمدت الجهود العظيمة خلال السنوات العشر الماضية خصوصا لإعادة البهاء إلى قصور مصر التاريخية المنتمية إلى الأسرة العلوية، والتي أصبحت بعد عمليات الترميم تسر الناظرين.
وثمنت قدر الرقي الحضاري حين منحنا فاروق حسني وزير الثقافة السابق حقه بوصفه صاحب مشروع المتحف الكبير، ومازلت أتذكر كيف دافع عن مشروعه في وجه كل معارضيه.واليوم نتباهى بهذا الصرح الحضاري الذي صنعه بدأب.
لذا أرجو أن يكتمل السمو والرقي والوعي بإعادة اسم سوزان مبارك إلى مشروعها.. قد نختلف ونتفق مع إحدى الحقب السياسية والنخبة التي سادت لكن الحق أحق أن يتبع، فلا مغالاة في التأييد ولا مغالاة في الرفض .هكذا تكون الموضوعية في توثيق التاريخ وحفظه للأجيال كوتد ثابت في صناعة الهوية الوطنية.
وهو ما يتفق ويتوافق مع الميثاق الرائع المنبثق عن مؤتمر الأسكندرية الأخير الذي عقد بمكتبة الاسكندرية تحت رعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.