سهير عبد الحميد تكتب: وفاضّ الصمت بالكلام المباح

السير الذاتية عالم ساحر يعج بدراما واقعية لم ينبتها الخيال وإنما غزلتها التجربة ، وفي حشاها مَعِين مثالي للتأريخ الاجتماعي ؛ ففيها حكايات عن الحجر والبشر وتغير العادات وتبدل السلوكيات ،الأوضاع الاقتصادية ، والتقلبات السياسية ، العلاقات الإنسانية . بل إنها في كثيرمن الأحيان قد ترسم لنا خريطة لجغرافية الأماكن ومدى تغير ملامحها.

والأماكن تحديدًا- في يقيني- لها أسرارها التي تختزلها في نكهة خاصة بها ورائحة تميز جنباتها ، وحنين يجتذب كل من انتمى إليها يومًا ، وهذا ما نسميه "عبق المكان" .. يعرفه جيدًا من عاشوا ونشأوا في أحياء تاريخية عريقة كالظاهر والعباسية وحدائق القبة وشبرا ؛ فلها ما ليس لغيرها من سحر الزمان والمكان وكل منها مجتمع مستقل بذاته له سماته وطبائع قاطنيه بل ومفرداته اللغوية أحيانا خصوصًا تلك الأحياء التي عرفت تجاور عدة أجناس .ومهما غادرنا تلك الأماكن يبقى الحبل السري بيننا وبينها يجذبنا إليها كما النداهة ويطوقنا بها للأبد.

وهذا ما جعلني أكتب كتابي "يهود الظاهر" الحي الذي شهد ميلادي ونشأتي ، فوثقت بين دفتيه حكايات الجدات والجارات الأرمنيات والشاميات وتاريخ اليهود المصريين من الطبقة المتوسطة فيه . ذلك الحي الذي يعتبر بحق مجمعًا للأديان والجنسيات .وكانت سيرة عبد الحميد جودة السحار مصدرًا مهمًا فهو من مواطني حي الظاهر ، وفي سيرته مساحة كبيرة عن الحي وكأنهما التحما سويًا. وقد تملكني الشغف عند قراءة سيرته حتى قرأتها غير مرة ، وتذكرتها منذ أيام وأنا أقرأ سيرة كتبها الزميل العزيز الكاتب الصحفي د. سمير محمود ،فكلا الكتابين اجتمعا فيهما : حلاوة السرد وفيض الحكايات وطزاجة المشاعروتنوع التجارب ، وقد صاغ د. سمير محمود في كتابه " ضفاف الصمت " ، وثيقة مفعمة بالحياة عن حي شبرا العتيق وطبيعة الحياة فيه :حميمية البيوت المتلاصقة تلاصق من سكنوها ، الشوارع المتقاطعة ببيوتها القديمة جاورتها عمارات حملت بصمة عمارة التسعينيات.

وبين ثنايا السيرة تستطيع أن تستعيد ملامح البيوت المصرية الدافئة التي يجتمع أفرادها حول مائدة الطعام يتناولون جرعة دافئة من التواصل تزداد قوتها مع روحانيات يوم الجمعة والجلسة حول البرامج المفضلة التي عرفها جيلنا : نادي السينما واخترنا لك ، وفي الإجازات الصيفية برامج الأطفال توم وجيري ومغامرات تان تان .وفي أوقات الامتحانات يختفي جهاز التليفزيون خلف الكسوة المعهودة آنذاك ، زجاجات الكوكولا في أعياد الميلاد وأكواب شربات الورد عند نجاح الأبناء ، أماكن النزهة التقليدية لكل العائلات المصرية ملاهي كوكي بارك التي حلت محلها ملاهي السندباد، المريدلاند ، حدائق الحيوان والأسماك.

في تلك البيوت كانت الجدات القاموس المتنقل للأمثال الشعبية التي تلخص الفلسفة المصرية ، وهكذا كانت جدته "زينب"كسائر الجدات تقبض في صدرها مخزون الأجيال وتنقله للأحفاد ليظل الإرث.

هذا إلى جانب أن "فيض الصمت "وهوسيرة ذاتية تفيض بالنوستالجية ، وثيقة لأحداث فارقة مرت بالمجتمع بل والعالم أجمع عبر 50 عامًا، من أحداث الأمن المركزي في مصر إلى انتفاضة الحجارة في فلسطين وحربي الخليج الأولى والثانية وصولا إلى فيروس كورونا .ولذا فإنها ستكون ضمن سير آخرين معينًأ للباحثين بعدما تصبح أحداثها ماض بعيد يفتش عنه الباحثون ، تمامًا كما نقل لنا المفكر أحمد أمين صورة عن تغير الحال والأحوال بعد ظهورالمدارس كبديل للكتاتيب وكيف كانت مدارس "بنبا قادن " أشبه بالقصور ، وكما عرفنا د.جلال أمين على طبيعة الحياة بين والديه كنموذج متكرر في الكثير من البيوت المصرية ، وكما تعلمنا من سيرة هدى شعراوي كيف عانت النساء مطلع القرن الماضي من الاضطهاد والقيود حتى كرهت المرأة أنوثتها التي اعتبرها الذكور وصمة عار.

واستقاء التاريخ من السير الذاتية بقدر أهميته ، بقدر ضرورة الحذر عند التعامل معها ، إذا كان مبتغى كاتبها أن يمنحنا صورة مقدسة عن ذاته وشخصه وهو الفخ الذي نجا منه د.جلال أمين ولويس عوض ، فقدما سيرتين إنسانيتين من دم ولحم .وكذلك فعل د. سمير محمود، فكان واعيًا لذلك حين قال " لست ملاكًا يتجمل بهذه السطور أو يحتمي بها " ، لذلك جاءت سيرته حقيقية مفعمة بالحياة والذكريات بأسلوب سلس يلخص حياة جيل مختزلة في صورمتلاحقة ظلت في ذاكرة صاحبها حتى أفضى بها إلى الورق طازجة دافئة وكأنها حدثت للتو ليتخلى عن صمته الأثير الذي تعلمه من والدته ،ففاضَ الصمت بما هو جدير بالبوح.