عمرو منير دهب يكتب: اقنَعْ بما لديك وكُنْ طموحًا.. الفصل الثلاثون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

قد يبدو التحدّي مع متناقضتنا هذه المرة لأول وهلة سهلاً باعتبار أننا ننظر في أدبيّاتنا إلى كلا طرفَي المتناقضة على أنه من الفضائل، فأشهر ما يقال في القناعة عندنا أنها "كنز لا يفنى"، أمّا الطموح فثمة العديد مما يحض عليه في ثقافتنا منذ الجاهلية إلى يومنا هذا بطبيعة الحال.

وسأختار في سياق التمثيل من تلك الأدبيات بيتَ شوقي الشهير كونه ينطوي على مفارقة ذمّ القناعة في غضون تبجيل الطموح: شَبابٌ قُنَّعٌ لا خَيرَ فيهِم ** وَبورِكَ في الشَبابِ الطامِحينا؛ ذلك دون أن ننسى المعاني المركبة المتضمّنة في الجذر اللغوي "ق ن ع" مما يفيد المحمود والمذموم في الكلمة نفسها بحيث تكون التفرقة في المراد – الحمد أم الذم - بحسب السياق.

ولكن الواقع غير ذلك؛ فمتناقضتنا ليست سهلة بحال إذا تذكّرنا أن المقصود هما أقصى طرفَي النقيض ممثلَين في القناعة العميقة والطموح الرفيع مما لا يمكن الجمع بينهما في الوقت نفسه؛ فأيّ منّا في أي وقت إنّما هو في الغالب إمّا قنوع راضٍ بما هو فيه وإمّا توّاق إلى الارتقاء إلى مرتبة أعلى بحسب نظرته أو وجهة نظر المجتمع من حوله.


وإذا تجاوزنا عن حالتَي الركون/الركود الشديد والطموح/الجموح العظيم، بوصفهما أقصى طرفَي متناقضة القناعة والطموح، فإن التأرجح بين وضعَي الرضا والتطلّع – مهما يكن الحظ من التوسّط في كليهما – ليس بالأمر الهيّن بحال.

اطمَحْ باستمرار ما وَسعك الأمر؛ الإحساس بالقناعة رائع، ولكن القناعة – مهما تكن عميقة – تفضي بك بعد حين إلى قدر من الرتابة؛ والمقصود بالرتابة ليس مجرد الشعور بالملل من عدم التغيير مجملاً، فذلك من الممكن التغلّب عليه بأي تحرّك/تنقّل ضمن إطار المكتسبات المتحققة الداعية إلى القناعة.

 وإنما المقصود بالرتابة الملل من عدم التحرّك بأيّ مقدار صوب طرف النقيض الذي يجسّده الطموح تحديداً؛ وتزداد احتمالات الإحساس بالرتابة مع القناعة المستمرة لأن القناعة مرافقة - بدرجة كبيرة - للسكون.

 وذك مقابل الحركة التي يجسّدها معنى الطموح وتجلّياته بصفة عامة، إذ قلّما ينجح أيّ منّا في تلافي الإحساس بالملل مع السكون، تماماً مثلما أنه من الصعب أن تتسلّل الرتابة إلينا مع الحركة خاصة تلك التي تمثّل تجلّياً مباشراً لأحد أشكال الطموح.

اطمحْ لأنه لا حدّ يجب أن تقف عنده سوى ذلك الذي تغدو لديه عاجزاً تماماً عن الحركة؛ بل حتى عند ذلك الحدّ، وقبل أن تذعن تماماً إلى راحة الرضا بالتسليم، من الحكمة أن تعمل بصدق وجدّ على أن تزحزح الحاجز الذي يعيقك عن الحركة إذا كان حقيقياً أو تبدّده إذا كان متوهَّماً.

بالنظر إلى بيت الطغرائي الشهير "أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها ** ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ"، فإن الأمل يبدو بمنزلة أضعف الإيمان على صعيد الطموح؛ والفرق بين أحلام اليقظة والآمال أن الأخيرة تنطوي على قدر من الحركة المتوقعة أو على الأقل الترقّب الذي ينطوي في ذاته على حركة مادية أو معنوية، في حين أن أحلام اليقظة هي على الأرجح بمثابة سكون قد يفضي إلى ارتداد إلى حالة أدنى، على غير الحال مع السكون المتضمّن في القناعة المطمئنة التي لا تعني التقهقر بحال والتي لا تمنع المضي قدماً في الوقت نفسه.

اقْنع إذن وفي حُسبانك الصورة أعلاه للقناعة المطمئنة بقدر ما يمكنك تجسيدها عملياً؛ قناعة تمنحك الرضا بما أنت فيه ولا تعيقك عن الحركة تطلّعاً إلى مرتبة أسمى (رأسياً)، أو على الأقل انتقالاً إلى تغيير منعش (أفقياً).

وإذ لا مناص من مواجهة التحدّي الأكبر الذي أشرنا إليه بدايةً ممثلاً في التأرجح بين القناعة والطموح بأي قدر وعلى أي مدى، فاحرص – بحسب ما أنت عنده من طرفَي النقيض في أية لحظة - على أن تكون قناعتك مطمئنة وأن يكون طموحك واثقاً مهما يكن التنقّل/التذبذب بين الطرفين حادّاً ومزعجاً.

تحدٍّ أكبر آخر – وأرجو أن يجوز التعبير – لا مناص منه يتمثّل في مجابهة طبعك؛ فأنت بالفطرة إمّا ميّال إلى القناعة وإمّا ميّال إلى التطلّع؛ فإن كنت قنوعاً بالفطرة من الخير أن تعزّز نزعة الطموح في حياتك، وإن كنت متطلّعاً بالفطرة من الحكمة أن تعمّق قيمة الرضا داخلك.

 ومن المهم أن نتذكّر باستمرار أن الحياة إنما هي مفاضلة بين طرفَي نقيض من قبيلٍ ما على كل صعيد، بحيث تتجلّى براعتنا في ترجيح الطرف الأمثل في المقام الأنسب لا في أن نعمد إلى حالة موازنة/مناصفة آليّة بين الطرفين المتناقضين أو نميل كل الميل إلى طرف دون آخر تَحجُّجاً بطبعنا الذي فُطرنا عليه أو استناداً إلى أيٍّ من الذرائع العملية المغرية بالانسياق وراءها.