عماد أنور يكتب: عندما تخلى "مو" عن حذائه وعزلته.. صلاح الذي ينتظر عريس "مكة"

وقف محمد صلاح حافي القدمين، ممسكًا بجائزة أفضل لاعب، وهو يرد على أسئلة الصحفيين عقب فوز مصر على نيوزلندا بثلاثة أهداف مقابل هدف في دور المجموعات ببطولة كأس العالم المقامة حاليًا. قال مبتسمًا: "لقد استمتعنا بكرة القدم وقدمنا كل ما لدينا من أجل جماهيرنا".


بعد عدة أيام، وعقب فوز مصر على أستراليا بهدف دون رد في دور الستة عشرة، وقف اللاعب وقد تخلى عن حذائه للمرة الثانية، ظهرت الدعابة في تصريحاته الصحفية، قال إن حسام حسن مدرب المنتخب ضرب اللاعبين بين شوطي المباراة، وذلك ردًا على سؤال عن سبب تحسّن مستوى لاعبي المنتخب في الشوط الثاني للمباراة، وبنفس نبرة الفكاهة وبروح أب مصري ريفي، أكد أنه لا يشغل باله بالانتقادات التي تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي، وقال: "أنا راجل كبرت وبناتي على وش جواز".

بين التخلي عن الحذاء، ورزانة التصريحات وروح الدعابة، كشف المونديال عن ظهور نسخة جديدة من محمد صلاح. لاعب يعيش لحظات تمنحه شعورًا بالتحرر النفسي، وهو سعيد بأن يرى الجميع صداها.


عادةً، كان يمر صلاح مسرعًا عبر المنطقة المخصصة للصحفيين، يتهرّب عمدًا من التحدث إلى وسائل الإعلام، شخصيته تميل إلى الصمت ويعتبر أن التعامل مع الإعلام ليس جزءًا من عمله، مع مر السنين، ازدادت شهرته وازدادت حوله أيضًا علامات الاستفهام، لذا كان من الطبيعي أن يثير هذا التغير المفاجئ دهشة الكثيرون، برغم أنه تغّيرًا منطقيًا للاعب ذكي خرج من قرية مصرية بسيطة ليصبح أحد أعظم أساطير نادي ليفربول الإنجليزي على مر التاريخ، في رحلة صعود استثنائية مليئة بمشاهد قد لا يلتفت إليها البعض، لكنها تكشف عن إصرار ومرونة وقدرة على التكيف، مع إعطاء الأولوية لتطوير الذات.

إذا عدنا إلى الماضي. فإن الغالبية تعرف أن صلاح خاض تجربة مليئة بالصعاب والتحديات، خرج من قرية "نجريج" الصغيرة في محافظة الغربية، باحثًا عن تحقيق حلمه بأن يصبح لاعب كرة قدم. أقصى طموحه وقتها هو اللعب في الدوري المصري الممتاز، الغالبية تعرف كذلك أنه عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، كان يخوض رحلة تتخطى مدتها 4 ساعات في وسائل المواصلات، للذهاب من قريته إلى العاصمة القاهرة حيث مقر ناديه المقاولون العرب، ظل على هذا الحال فترة ليست بالقصيرة، لكن ما قد لا يعرفه الكثيرون هو الخجل الذي اتسم به صلاح في بداية مشواره وصبره على الكثير من السخافات، والسبب أنه يرى وحده تلك النقطة البعيدة التي يحلم بالوصول إليها دون أن يسمح لأي معوقات بتعطيله.

ظهرت رغبته في عدم الالتفات إلى أي سخافات في إحدى المباريات التي جمعت فريقي الزمالك والمقاولون العرب بالدوري الممتاز، كان أحد لاعبي المقاولون يستعد لتسديد ركلة حرة، حاول صلاح اختراق الحائط البشري للاعبي الزمالك، إلا أن عمرو ذكي المهاجم الشهير وقتها، ضايقه في مشهدين، أولهما عندما دفعه في كتفه ليبتعد عن الحائط، والثاني عندما داس على قدمه بقوة، وقتها لم يدخل صلاح في مشادة مع لاعب كان في قمة عنفوانه الكروي، ذلك لأنه قرر الابتعاد عن الصغائر والتركيز في عمله.

لم يهتم "صلاح" بنجومية لاعبي الأهلي والزمالك وقت تواجده في الدوري الممتاز، والمؤكد أن عدم انتمائه إلى هذين الناديين العملاقين هو أحد أسباب نجاحه، لأنه عندما خرج للاحتراف الأوروبي لم يكن عنده ما يبكي عليه، لا شهرة ولا أموال، ليس أمامه سوى إثبات الذات، أما الابتعاد عن افتعال الأزمات ليس ضعفاً أو عدم ثقة بالنفس، لكنه أحد الأسلحة المهمة التي حملها معه في رحلته، وهو ما ظهر في موقف آخر حدث مع أحد أفضل أندية أوروبا.

عندما انتقل صلاح من بازل السويسري إلى تشيلسي الإنجليزي بناء على رغبة جوزيه مورينيو مدرب الفريق وقتها، ظل حبيس مقاعد البدلاء، من الطبيعي أن أي لاعب في نفس موقفه لن يعترض، ويكتفي بشرف اللعب في أقوى دوري بالعالم، لكن صلاح لا يعنيه إلا أن تلمس قدميه المستطيل الأخضر، هذا ما يحتاجه لإظهار إمكاناته الفنية وإقناع المدربين بمستواه.

اختار الرحيل عن تشيلسي بلا ندم أو تردد، ذهب إلى فيورنتينا الإيطالي ومنه إلى ليفربول الإنجليزي لتبدأ رحلة الشهرة والتهديف وحصد الجوائز وصناعة مجد لم يصل إليه لاعب آخر في تاريخ مصر، حيث تواجد اسمه بين عمالقة اللعبة.

برغم تألقه اللافت مع ليفربول، إلا أن مستواه مع منتخب بلاده كان محيرًا للجميع، اتهمته الجماهير بأنه يلعب "بالشوكة والسكينة". يصول ويجول في ملاعب أوروبا، يتلاعب بأقوى المدافعين ويسجل الأهداف في عمالقة الحراس، أما مع المنتخب، يتحول إلى لاعب أليف بلا أنياب حتى أمام أضعف المنتخبات الأفريقية!

منذ 2017 كانت رحلة صلاح مع منتخب مصر مليئة بالغرائب، أزمات عديدة مع مسؤولي اتحاد الكرة، مرة بسبب الرعاية، وأخرى بسبب الإهمال وثالثة لغياب التخطيط، تحمل وحده مسؤولية جميع الإخفاقات مع منتخب بلا طعم أو فعالية، هجوم جماهيري وإعلامي لاذع، اتهامات بالنرجسية وحب الذات واتباع عادات مغايرة لعاداتنا الشرقية، وإنه كما يقولون بالعامية المصرية (عايش دور مش بتاعه).

دائمًا كانت تأتي ردوده أكثر دهشة في الأسلوب والتوقيت، طريقة تربك من يحبونه وتزيد غضب منتقديه. يكتفي بصورة عبر "إنستجرام" وهو يقرأ كتاب يحمل عنوان (فن اللامبالاة)، يضع علامة استفهام عبر صفحته على "إكس"، حتى عندما يظهر عبر الشاشات كان يحاول أن يظهر واثقًا من نفسه إلى حد الغرور، وكأنه لا يعجبه أي أحد.

تغيّر "صلاح" بعد أن فركته الأيام، اعتلى منصات التتويج في أكبر المحافل، لف العالم، ارتاد الفنادق الفاخرة امتلك أغلى السيارات، قابل عشرات الجنسيات والكثير من أنماط البشر، ولعب عامل السن دوراً مهماً في التغيير، صار عمره 34 عاماً، تعامل مع كرة القدم كرسالة، وليس مجدًا شخصيًا، فقد حقق كل المجد، نضج، فكر كثيرًا وتأكد أنه آن الأوان أن تحقق الرسالة تأثيرها، وكانت بطولة كأس العالم 2026 فرصة للتنفيذ، بعد أن شعر بالأثر الذي يمكن أن يحدثه فوز منتخب بلاده في أي مباراة بالمونديال.

صلاح الذي كان يكتفي بالاحتفال في الملعب مع زملائه عقب تحقيق الفوز، اختار، على غير العادة، أن ينصهر مع الجماهير، يشاركهم الفرحة وهو يرقص على موسيقى الأغاني الشعبية محمولًا على الأعناق، يهز كتفيه ورقبته والابتسامة لا تفارق وجهه، ويتفاعل مع الأغاني ويرددها بصوت عال، صار يستجيب لطلبات الجماهير سواء في التقاط الصور التذكارية أو إهداءهم توقيعه على نسخ من قمصان المنتخب، بل كان يداعبهم ويبادلهم الحديث.

أما في المؤتمرات الصحفية، تظهر شخصية القائد، هذا ما أكده لاعبو المنتخب بأنفسهم، ردوده متزنة، يركز على الجوانب الإيجابية، ويعد بأن السنوات المقبلة ستكون بداية جديدة للكرة المصرية في المحافل الدولية.

صلاح في هذه المرة، برغم إثارة الجدل أحيانًا، عثر على القطعة الناقصة في مشوار نجاحه، ظهر في حالة هدوء وراحة نفسية، ابتعد عن جمود الروتين ومشقة النظام التدريبي في إنجلترا، عاد إلى الإنسان البسيط أبن قرية نجريج الذي يحتفي بأريحية شديدة وسط ولاد بلده، ونتمنى أن يظل على هذا الحال. والأهم هو ظهر تأثيره بوضوح بعد أن نجح حسام حسن في توظيفه جيدًا، قدّر قيمته الحقيقية بعيدًا عن المتاجرات والمجاملات، والأهم هو تصحيح المعادلة المختلة في علاقته بالجماهير.

سنوات الغربة منحته نضج ومرونة حملاه مسؤولية رسم الابتسامة على وجوه الجماهير، وأكدا له أن هذه الجماهير هم الأهل والعزوة، وأنهم أول من يهنئونه وقت أن يأتي عريس "مكة".