برغم الحزن على خروج منتخبنا المصري من بطولة كأس العالم الحالية، إلا أننا عشنا قبلها أيامًا مليئة بالسعادة، تخطينا دور المجموعات ومن بعده دور الـ 32 لأول مرة في التاريخ. بين الخامس عشر من يونيو والسابع من يوليو، آمنا بالمثل القائل "السعد وعد"، وتمسكنا بـ"ساعة الحظ اللي ما تتعوضش"، ذقنا طعم الفرحة، وصلت فرحتنا إلى حد "الهيستريا" وقت أن تفوقنا على منتخب الأرجنتين بهدفين نظيفين حتى الدقيقة الـ 79 من مباراة دور الستة عشرة، قبل أن نخسر ونودع المونديال.
كانت الغالبية في واد وقلة قليلة في واد آخر، تقمصوا شخصية "عم ضياء"، أبت وجوههم أن تتجمل بالابتسامة، ورفضت عيونهم أن ترى أي حاجة حلوة، تفرغوا للتنظير وطلّعوا في لاعبي المنتخب ومدربهم "القطط الفطسانة".
"عم ضياء" هو أشهر شخصية سوداوية جسدتها الدراما المصرية في العصر الحديث، ظهر في مسلسل (الوصية 2018)، بطولة أكرم حسني وأحمد أمين، ولعب دوره الفنان محمد جمعة.
يستحق "عم ضياء" لقب كأس العالم في التكشير، شعاره في الحياة "كله رايح"، كلمتين متجاورتين كافيتان أن يغمرا العالم باليأس والكآبة. كلما فتحت معه حديث عن أحدث صيحات الموضة، يرد بأن حديثك لا قيمة له طالما أن كل إنسان سيرتدي "الكفن" في نهاية مشواره، إذا فكرت أن تستطلع رأيه في منزل جديد، تساءل قائلا: "ما فائدة المنازل وفي النهاية سيدفن الإنسان في قبر متر في متر؟"، أما إذا عاتبته إذا دخل عليك مكتبك دون استئذان، ينسف عتابك بكلمة: "الموت بييجي من غير استئذان.
كشف المونديال عن نسخ كثيرة من هذا الرجل في حياتنا، اجتهدوا في البحث عن أي خطأ في أداء المنتخب، وإثبات أن من يخالفهم الرأي جاهل. ظهر عم ضياء في كل مكان. في ساحات التشجيع المليئة بمئات الجماهير التي تهلل فرحًا بأداء منتخبنا، ستجده جالسًا يحك جبهته بإصبعه، بحجة أن الأداء غير مرض برغم الفوز. ستعرفه كذلك على مواقع التواصل الاجتماعي من منشور يبدأه بكلمة "مع احترامي" أو "مبروك لمنتخب مصر" ثم يتبعها بكلمة "ولكن". بعدها، يسرد جملًا ينفث بها عن كبت مدفون أو غيرة أو ربما شماتة، خصوصًا وأن بعض من اعترضوا على اختيارات حسام حسن في قائمة اللاعبين، تعاملوا بنفس العقلية منذ أول يوم في المونديال وحتى خروج المنتخب من البطولة
فعلها كذلك لاعبون سابقون وإعلاميون، أغلبهم ممن ينتمون إلى نادي الزمالك، بداعي أن أغلب اختيارات حسام حسن كانت من لاعبي الأهلي، فضلًا عن المعارضين بالفطرة لوجود الرجل على مقعد المدير الفني، والذين ألقوا عليه سهام النقد منذ اليوم الأول لتولي المهمة، ومنهم مسؤولين في اتحاد الكرة.
انتقاد منتخب مصر فنيًا حق للجميع، خصوصًا وأن معظم جماهير كرة القدم يفهمون فيها جيدًا، ولا يمكن أن ننكر أخطاء حسام حسن في كل المباريات وآخرها مباراة الأرجنتين، حيث فشل المنتخب في الحفاظ على الفوز بهدفين لمدة لا تزيد عن 15 دقيقة، بل وزاد المدرب الطين بلّة عندما طمع في مزيد من الأهداف وأجرى تغييرات هجومية أمام منتخب يلعب بين صفوفه ليونيل ميسي الذي تكفيه ربع فرصة للتهديف، إضافة إلى إشراك عمر مرموش الذي يستحق لقب "أناني" باقتدار.
اعترفنا بالأخطاء. سهلة وبسيطة وبلا تجريح، أما المتأثرين بشخصية "عم ضياء" أصحاب المشاعر السلبية تقف مشاعرهم سدًا منيعًا بينهم وبين السعاة، يقابلون لحظة الفرح العفوية بأسئلة وجودية لا تتناسب مع الموقف، يتفلسفون على أبسط الأمور، والأهم أنهم برغم ادعاء المفهومية المطلقة بكرة القدم، فإنهم يتعاملون معها بأنها أكثر من مجرد لعبة رياضية، يتخذونها أداء لتصفية الحسابات والشماتة دون أن يؤمنوا بأن "كله رايح".