كل إنسان في هذا العالم له بداية وبلا شك له نهاية، وبين البداية والنهاية رحلة طويلة تتغير فيها الأشياء وتتبدل الظروف، ويصعد البعض في وقت ويتراجعون في وقت آخر، وربما يعودون مرة أخرى عندما يظن الجميع أن الحكاية انتهت.
حتى الذين نراهم اليوم في قمة نجاحهم سيأتي يوم تتغير فيه مواقعهم، وحتى الذين ابتعدوا عن المشهد قد يجدون فرصة جديدة تعيدهم إليه، ولذلك فإن أكثر ما يحتاجه الإنسان في رحلة نجاحه هو أن يتذكر أن الحياة لا تمنح أحدًا مكانًا دائمًا، ولا تسحب من أحد حقه في المحاولة.
وحسام حسن يعرف هذه الحقيقة أكثر من غيره.
فالرجل الذي صنع اسمه لاعبًا ثم انتقل إلى التدريب، وعاش سنوات طويلة بين النجاح والتراجع والاحتفال والانتقاد، يعرف أن كرة القدم تحديدًا لا تعترف بالأحكام النهائية، وأن اللاعب الذي يتراجع مستواه اليوم قد يعود غدًا، وأن النجم الذي يبدو في نهاية الطريق قد يجد لنفسه بداية جديدة في مكان لم يكن يتوقعه.
ولهذا فإن تصريحًا عن لاعب بأنه «منتهي» لا يستحق أن يتحول إلى قضية كبيرة، بقدر ما يستحق أن يكون مناسبة للتوقف أمام معنى الكلمة نفسها.
متى ينتهي الإنسان؟
هل تنتهي مسيرة لاعب لأنه مصاب أو لا يشارك لفترة؟ وهل ينتهي تاريخه لأنه لم يعد في أفضل حالاته؟ وهل يصبح ما قدمه في سنوات طويلة بلا قيمة لمجرد أن مستواه تراجع في موسم أو مرحلة؟
الحقيقة أن الإنسان لا ينتهي بهذه السهولة.
نحن فقط نميل إلى إصدار أحكام سريعة لأننا نحب الأشياء الواضحة، ونحب أن نضع الناس في خانات محددة: فلان نجح وعلان انتهى، وهذا صعد وهذا تراجع، وكأن الحياة مباراة لها صافرة أخيرة يمكن للجميع سماعها في اللحظة نفسها.
لكن أظن أن الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك.
هناك من تأخر نجاحه ومن عاد بعد غياب، ومن وجد نفسه بعد أن ظن أنه فقد الطريق، وهناك من وصل إلى القمة ثم اكتشف أن أجمل ما في الرحلة لم يكن القمة نفسها، وإنما السنوات التي قضاها وهو يحاول الوصول إليها.
وحسام حسن بما يملكه من تاريخ وتجربة، يعرف أن الجمهور نفسه الذي يصفق اليوم يمكن أن ينتقد غدًا، وأن اللاعب الذي يحتفل به الناس في لحظة قد يصبح خارج الحسابات في لحظة أخرى، ولذلك فإن المسؤولية الحقيقية ليست في أن نتجنب الحكم على الآخرين، وإنما في أن نترك دائمًا مساحة لاحتمال أن نكون مخطئين.
طبعا منن حق المدرب أن يختار وأن يستبعد، وأن يرى أن لاعبًا لا يناسب خطته، ومن حقه أن يعلن أن لاعبًا آخر أفضل منه في هذه اللحظة، فهذه طبيعة العمل الفني، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين القرار والحكم على الإنسان. الأول جزء من المهنة والثاني قد يكون أكبر من المهنة نفسها.
وحين يصبح الرجل مديرًا فنيًا لمنتخب مصر، تصبح كلماته أكثر حساسية، ليس لأنه ممنوع من الصراحة ولكن لأن وراء كل اسم يذكره قصة وتاريخًا وأسرة وجمهورًا وذكريات صنعها صاحبه على مدار سنوات.
وهنا ربما يحتاج حسام حسن إلى أن يفرق بين حسام حسن اللاعب وحسام حسن المدرب.
اللاعب يستطيع أن يغضب وأن يشتبك وأن يحتفل وأن يقول ما يشعر به في لحظة المنافسة، أما المدرب فمساحته أوسع ومسؤوليته أكبر، لأن كلماته لا تخصه وحده ولأن صورته أصبحت جزءًا من صورة المنتخب الذي يقوده.
ولا أحد يطلب منه أن يتخلى عن شخصيته أو غيرته أو حماسه فهذه كلها جزء من تكوينه، لكن ربما يكون النضج الحقيقي هو أن يعرف الإنسان متى يستخدم قوته، ومتى يترك للصمت مساحة، ومتى يقول الحقيقة بطريقة لا تؤذي من يسمعها.
حسام حسن حقق مع المنتخب إنجازًا يستحق التقدير والنتائج الجيدة تمنح المدرب رصيدًا مهمًا، لكنها لا تجعل كل كلمة صحيحة، كما أن نقد بعض تصريحاته لا يلغي ما حققه في الملعب.
المسألة أكبر من مباراة وأكبر من لاعب وأكبر حتى من حسام حسن نفسه.
إنها رسالة بسيطة يمكن أن نتعلمها جميعًا: لا أحد يبقى في مكانه إلى الأبد، ولا أحد تنتهي حكايته لأن شخصًا آخر قرر أن يكتب لها النهاية.
فالناس تتغير والظروف تتغير والفرص تعود أحيانًا من أبواب لم نكن نراها.
وكلنا مهما بلغ نجاحنا لدينا بداية ونهاية.
لكن الفرق أن الإنسان المحظوظ هو من يترك وراءه تاريخًا يسمح للناس أن يتذكروا بدايته باحترام، ونهايته بمحبة.