بعد حادث الأوسطي.. حوادث عمالة الأطفال في مصر من الدواويس بالقصاصين إلى أبو تيج بأسيوط

لم يكن حادث الطريق الأوسطي، الذي وقع صباح السبت 31 أكتوبر 2026، وأسفر عن وفاة 10 أشخاص وإصابة 24 آخرين، أول مأساة ترتبط بانتقال أطفال إلى أعمال زراعية؛ فقد سبقته حوادث دامية في محافظات مختلفة، كان بين ضحاياها أطفال خرجوا للعمل في الحقول أو العودة منها، لتعيد هذه الوقائع المتكررة ملف عمالة الأطفال ومخاطر نقل العمالة الزراعية إلى الواجهة.

وبين تصادم سيارات نقل العمال وسقوط مركبات تقل صغارًا في الترع والمصارف، تتكرر مشاهد مأساوية تكشف أن الخطر لا يرتبط بطبيعة العمل وحدها، بل يمتد إلى وسائل الانتقال وظروف التشغيل ومدى الالتزام بالقواعد القانونية التي تهدف إلى حماية الأطفال.

حادث الطريق الأوسطي.. أحدث وقائع سقوط أطفال أثناء التوجه للعمل

شهد الطريق الأوسطي بمحافظة الجيزة، صباح السبت 31 أكتوبر 2026، حادث تصادم بين سيارة ميكروباص كانت تقل عمالًا وسيارة نقل ثقيل "تريلا"، عند تقاطع الطريق الأوسطي مع محور الضبعة بالقرب من كارتة المستقبل، في نطاق مدينة 6 أكتوبر.

وأسفر الحادث، وفق الحصيلة التي أعلنتها وزارة الصحة، عن وفاة 10 أشخاص وإصابة 24 آخرين، من بينهم 10 حالات غير مستقرة و14 حالة تراوحت إصاباتها بين البسيطة والمتوسطة.

وأظهرت قوائم أسماء المتوفين المنشورة وجود أطفال بين الضحايا، إذ تضمنت أسماء بأعمار 10 و12 و13 و17 عامًا، ما أعاد تسليط الضوء على ظروف انتقال صغار السن إلى أماكن العمل، خاصة مع ارتباط الواقعة بنقل عمالة إلى إحدى المزارع.

وتواصلت التحقيقات للوقوف على ملابسات التصادم وتحديد المسؤوليات، فيما أمرت النيابة بفحص السيارتين وتفريغ كاميرات المراقبة والرادارات، والاستماع إلى الشهود.

حادث الدواويس بالقصاصين.. 18 وفاة و30 مصابًا بينهم أطفال

وقبل حادث الأوسطي بنحو شهرين ونصف، شهدت منطقة الدواويس التابعة لمركز القصاصين بمحافظة الإسماعيلية، يوم 11 أغسطس 2026، حادث تصادم بين سيارتي ربع نقل كانتا تقلان عمالة يومية في الصندوقين الخلفيين للمركبتين، أثناء انتقالهم للعمل في حصاد المحاصيل الزراعية.

وأسفر الحادث عن وفاة 18 شخصًا وإصابة 30 آخرين، وتراوحت أعمار الضحايا والمصابين بين 9 و50 عامًا، وفق ما أعلنته النيابة العامة في نتائج تحقيقاتها، وهو ما يؤكد وجود أطفال بين العاملين الذين كانوا على متن السيارتين.

وكشفت تحقيقات النيابة أن السبب المباشر للتصادم كان انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين، ما أدى إلى انحرافها إلى الاتجاه المقابل واصطدامها بالسيارة الأخرى.

كما أظهرت التحقيقات أن المركبتين كانتا تنقلان عمال اليومية في صندوقيهما الخلفيين المكشوفين، وجرى التحفظ على السيارتين وفحصهما فنيًا، إلى جانب أخذ عينات من السائقين للتحقق من مدى تعاطيهما مواد مخدرة.

وأعاد الحادث، الذي عُرف إعلاميًا باسم حادث الدواويس أو حادث القصاصين، طرح التساؤلات حول طريقة نقل العمالة الزراعية، خاصة مع وجود أطفال بين الضحايا والمصابين.

حادث أبو تيج بأسيوط.. مصرع 9 أطفال أثناء العودة من العمل الزراعي

وفي الأول من يوليو 2026، شهد مركز أبو تيج بمحافظة أسيوط حادثًا مأساويًا آخر، بعدما سقط تروسيكل كان يستقله 13 طفلًا من عمال اليومية الزراعيين في ترعة نجع حمادي الغربية، أثناء عودتهم من الأراضي الزراعية إلى مساكنهم عقب انتهاء يوم العمل.

وأسفر الحادث عن وفاة 9 أطفال وإصابة اثنين آخرين، بحسب التفاصيل المنشورة عن الواقعة، فيما جرى نقل المصابين إلى مستشفى أبو تيج المركزي، وتولت جهات التحقيق فحص ملابسات الحادث.

وتكشف هذه الواقعة جانبًا آخر من مخاطر عمالة الأطفال، إذ لم يكن الأمر متعلقًا بتصادم مركبتين على طريق سريع، وإنما بوسيلة انتقال غير مخصصة لنقل هذا العدد من الأشخاص، خلال رحلة العودة من العمل.

حادث فتيات العنب بالمنوفية.. مأساة أخرى في نقل العمالة الزراعية

وفي 27 يونيو 2025، شهد الطريق الإقليمي أمام قرية مؤنسة التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية حادث تصادم بين سيارة نقل ثقيل "تريلا" وميكروباص كان يقل 18 فتاة في طريقهن إلى حقل لجمع ثمار العنب.

وأسفر الحادث عن وفاة 19 شخصًا، بينهم 18 فتاة وسائق الميكروباص، إضافة إلى إصابة 3 آخرين.

124 حادثة لنقل العمال الزراعيين خلال 5 سنوات

ولا تقتصر المشكلة على الحوادث التي تصدرت الأخبار خلال عام 2026؛ إذ أعد تحقيق استقصائي نشرته "اندبندنت عربية" قاعدة بيانات لحوادث نقل العمال الزراعيين في مصر خلال الفترة من أغسطس 2021 حتى أغسطس 2026.

ورصد التحقيق 124 حادثة في 7 محافظات، أسفرت عن 182 حالة وفاة و1688 إصابة، موضحًا أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى الموثق إعلاميًا، مع احتمال وجود حوادث أخرى لم تحظَ بتغطية كافية.

وأظهرت قاعدة البيانات أن 98 حادثة من إجمالي الوقائع المرصودة ارتبطت باستخدام سيارات النقل ونصف النقل وربع النقل والتروسيكلات، وهي مركبات غير مخصصة لنقل الركاب، بينما لم تحدد التغطيات نوع المركبة في 26 حادثة أخرى.

ورصد التحقيق وجود أطفال بين ضحايا عدد كبير من الحوادث، لكنه أشار إلى أن عدم انتظام نشر أعمار الضحايا في البيانات الرسمية والتغطيات الصحفية حال دون تحديد إجمالي دقيق لعدد الأطفال الذين لقوا حتفهم في جميع الوقائع.

قانون العمل عن تشغيل الأطفال في مصر

حدد قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 ضوابط واضحة لتشغيل الأطفال، إذ تعتبر المادة 61 كل من لم يبلغ 18 عامًا طفلًا في تطبيق أحكام القانون.

وتحظر المادة 62 تشغيل الأطفال قبل بلوغ 15 عامًا، مع السماح بتدريبهم مهنيًا بداية من سن 14 عامًا، بشرط ألا يؤثر ذلك على مواصلة التعليم.

كما تحظر المادة 64 تشغيل الأطفال أو تدريبهم في الأعمال والمهن والصناعات التي تعرض صحتهم البدنية أو النفسية أو سلامتهم أو أخلاقهم للخطر، أو تعوقهم عن مواصلة التعليم.

وتنص المادة 65 على ألا تزيد ساعات عمل الطفل على 6 ساعات يوميًا، مع تخصيص فترات للراحة لا تقل في مجموعها عن ساعة، وألا يعمل أكثر من 4 ساعات متصلة، فضلًا عن حظر تشغيله ساعات إضافية أو في أيام الراحة والعطلات الرسمية، أو خلال الفترة من السابعة مساءً حتى السابعة صباحًا.

وتُلزم المادة 66 صاحب العمل بإبلاغ الجهة الإدارية المختصة بأسماء الأطفال العاملين لديه والأعمال المكلفين بها، وتحرير كشف بساعات العمل وفترات الراحة، إلى جانب الالتزام بالضوابط المقررة لحمايتهم.

كما ينص القانون في المادة 76 على تولي وزارة العمل رسم سياسة ومتابعة تشغيل العمالة غير المنتظمة، ومن بينها عمال الزراعة الموسميون.

عمالة الأطفال.. بين الظروف الاقتصادية وضرورة الحماية

تعيد الحوادث المتكررة فتح النقاش حول الأسباب التي تدفع بعض الأسر إلى إرسال أبنائها للعمل في سن مبكرة، خاصة في المناطق الريفية التي يعتمد فيها عدد من الأسر على العمل الزراعي اليومي كمصدر للدخل.

لكن الوقائع السابقة تكشف أن المخاطر لا تقتصر على طبيعة العمل داخل الحقول، بل تمتد إلى رحلة الانتقال نفسها، في ظل استخدام مركبات غير مخصصة لنقل الركاب وتحميلها بأعداد من العمال، بينهم أطفال.

ومع تكرار حوادث الأوسطي والدواويس وأبو تيج، تبرز أهمية تشديد الرقابة على تشغيل الأطفال، والتأكد من الالتزام بالسن القانونية وضوابط العمل، إلى جانب توفير وسائل انتقال آمنة للعمالة الزراعية، بما يحمي حياة العاملين ويمنع تكرار هذه المآسي.