من هو عبدول السيد؟ سر اسمه ورحلة المصري الذي أصبح أول مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي

لم يكن اسم "عبدول" الذي تصدر اهتمام مواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال الساعات الماضية مجرد لقب اعتاد صاحبه استخدامه، بل يحمل وراءه حكاية تعود إلى سنوات طفولته في الولايات المتحدة، عندما وجد عبد الرحمن محمد السيد نفسه أمام اسم يصعب على زملائه في المدرسة نطقه، فاختصره إلى "عبدول"، دون أن يتخيل أن هذا الاسم سيصبح يومًا مرتبطًا بواحد من أبرز الانتصارات السياسية في تاريخ المسلمين بالولايات المتحدة.

وبعد سنوات طويلة من تلك البداية، عاد اسم عبد الرحمن السيد إلى الواجهة بقوة، بعدما نجح في الفوز بمقعد ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ الأمريكي، عقب تغلبه على المرشح الجمهوري مايك روجرز في انتخابات 3 نوفمبر 2026، ليصبح أول مسلم يفوز بعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، في نتيجة وصفتها وسائل إعلام دولية بأنها محطة تاريخية في الحياة السياسية الأمريكية.

ولم يكن الانتصار مجرد فوز انتخابي عادي، بل جاء بعد حملة سياسية شديدة المنافسة، شهدت جدلًا واسعًا حول خلفيته المصرية وهويته الدينية ومواقفه السياسية، ليجد عبدول السيد نفسه في قلب اهتمام أمريكي وعربي واسع، خاصة مع احتفاء شخصيات مصرية بفوزه.

من هو عبدول السيد؟

عبدول السيد هو الاسم المعروف به عبد الرحمن محمد السيد، سياسي أمريكي من أصول مصرية، ولد في 31 أكتوبر 1984 بمنطقة ديترويت في ولاية ميشيغان، لأب مصري هاجر من الإسكندرية إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراسته العليا، ونشأ عبد الرحمن في بيئة جمعت بين جذوره المصرية وحياته الأمريكية.

وتعود قصة اسمه إلى سنوات الدراسة، عندما واجه زملاؤه صعوبة في نطق اسمه الكامل، فاختار استخدام "عبدول" باعتباره اسمًا أسهل في التداول، وهو اللقب الذي استمر معه حتى أصبح معروفًا به في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية.

لكن هذه التفصيلة لم تكن مجرد تغيير في طريقة النداء، إذ ارتبطت بتجربته في النشأة بين ثقافتين، وما واجهه من تساؤلات تتعلق بالهوية والانتماء، خاصة خلال سنوات المراهقة، التي شهدت هجمات 11 سبتمبر 2001 وما تبعها من تصاعد النظرات العدائية تجاه العرب والمسلمين في الولايات المتحدة.

رحلة علمية قادته إلى عالم السياسة

اختار عبدول السيد طريق التعليم والعمل العام، فالتحق بجامعة ميشيغان، وتخرج فيها عام 2007 بمرتبة الشرف العليا، كما شارك في فريق الجامعة للاكروس، وهي رياضة جماعية تشتهر في الجامعات الأمريكية.

ولفت تفوقه الأكاديمي الأنظار إليه، بعدما حصل على منحة رودس المرموقة، التي أتاحت له استكمال دراسته في جامعة أكسفورد البريطانية، حيث حصل على درجة الدكتوراه في الصحة العامة، قبل أن يستكمل دراسته الطبية في جامعة كولومبيا، ويحصل على درجة الطب عام 2014.

ولم يتجه السيد إلى العمل الطبي التقليدي داخل المستشفيات، بل اختار التركيز على الصحة العامة والسياسات الصحية، وعمل أستاذًا مساعدًا في علم الأوبئة بجامعة كولومبيا، قبل أن يبدأ مسيرته داخل المؤسسات الحكومية.

وهنا بدأ اسمه يبرز بصورة أكبر، بعدما تولى عام 2015 إدارة إدارة الصحة العامة في مدينة ديترويت، وكان يبلغ من العمر نحو 30 عامًا، ليصبح من أصغر المسؤولين الذين تولوا هذا المنصب في مدينة أمريكية كبرى.

وخلال عمله، اهتم بملفات صحة الأطفال، ومواجهة التلوث، ومراقبة مياه المدارس، إلى جانب إعادة بناء منظومة الصحة العامة في المدينة بعد أزمة الإفلاس والخصخصة التي مرت بها.

تجربة ديترويت صنعت ملامح مشروعه السياسي

لم تكن تجربة عبدول السيد في ديترويت مجرد محطة وظيفية، بل شكلت أساسًا للأفكار التي تبناها لاحقًا في مشواره السياسي.

فقد انشغل بقضايا الفئات الأكثر احتياجًا، وركز على العلاقة بين الصحة والظروف الاقتصادية والاجتماعية، معتبرًا أن المرض لا يرتبط فقط بالعوامل الطبية، بل يتأثر أيضًا بغياب الأمان الوظيفي والسكني وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية.

وفي عام 2018، قرر الانتقال إلى المنافسة السياسية بصورة مباشرة، وخاض الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي على منصب حاكم ولاية ميشيغان، لكنه خسر أمام غريتشن ويتمر، التي فازت لاحقًا بمنصب الحاكمة.

ورغم خسارته، لم يبتعد عن العمل العام، بل واصل نشاطه في مجال الصحة والسياسات الحكومية، قبل أن يتولى في عام 2022 إدارة إدارة الصحة والخدمات الإنسانية في مقاطعة واين، التي تضم مدينة ديترويت، واستمر في المنصب حتى عام 2025.

ومن أبرز الملفات التي ارتبطت بفترة عمله هناك، برنامج إلغاء ديون طبية قُدرت بنحو 700 مليون دولار لصالح قرابة 300 ألف شخص، وفق المعلومات المنشورة عن تجربته المهنية.

كتاب كشف فلسفته في التعامل مع الأزمات الأمريكية

لم تقتصر تجربة عبدول السيد على المناصب الحكومية والانتخابات، بل امتدت إلى التأليف، إذ أصدر عام 2020 كتابه "Healing Politics: A Doctor's Journey into the Heart of Our Political Epidemic"، الذي تناول فيه ما وصفه بأزمة انعدام الأمان داخل المجتمع الأمريكي.

واعتمد في الكتاب على خبرته في مجال الصحة العامة، ليطرح فكرة أن المشكلات التي يعاني منها المجتمع لا تنفصل عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وأن الفقر وعدم الاستقرار الوظيفي والسكني وضعف الوصول إلى الخدمات الصحية تمثل عوامل مؤثرة في حياة المواطنين.

كما شارك في تأليف كتاب "Medicare for All: A Citizen's Guide" عام 2021، الذي تناول فكرة توسيع مظلة التأمين الصحي الحكومي لتشمل جميع المواطنين، وهي واحدة من أبرز القضايا التي دافع عنها خلال حملته الانتخابية.

كيف وصل عبدول السيد إلى مجلس الشيوخ الأمريكي؟

بعد تجربته السابقة في انتخابات حاكم ميشيغان، عاد عبدول السيد إلى المنافسة السياسية الكبرى، معلنًا خوض سباق مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان ضمن الحزب الديمقراطي.

وفي 4 أغسطس 2026، حقق انتصارًا مهمًا بفوزه بترشيح الحزب الديمقراطي، بعدما تغلب على النائبة هيلي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية، في منافسة شهدت إنفاقًا انتخابيًا كبيرًا وانقسامًا داخل صفوف الحزب.

وخلال حملته، ركز على توسيع الرعاية الصحية، ومواجهة نفوذ الأموال والشركات في السياسة، وخفض الأعباء عن المواطنين، كما حظي بدعم شخصيات بارزة في التيار التقدمي الديمقراطي، من بينها السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، إلى جانب الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.

ولم تخلُ الحملة من الجدل، إذ تعرض لانتقادات وهجمات سياسية ركزت على ديانته وخلفيته العائلية، كما حاول منافسوه إثارة تساؤلات بشأن مواقفه وعلاقاته، وهي اتهامات لم تقدم أدلة تثبت ارتباطه بأي تنظيم إرهابي.

لكن عبدول السيد تمكن من تجاوز تلك المعركة، بعدما حسم الانتخابات العامة أمام الجمهوري مايك روجرز، ليحقق فوزًا تاريخيًا في ولاية ميشيغان، ويصبح أول مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي.

عمرو أديب وياسمين الخطيب يحتفيان بفوز عبدول السيد

ولم يتوقف صدى فوز عبدول السيد عند حدود الولايات المتحدة، إذ امتد إلى مصر، حيث تفاعل عدد من الشخصيات العامة والإعلامية مع النتيجة، معتبرين أنها تعكس قدرة النظام الانتخابي الأمريكي على وصول شخصيات من خلفيات دينية وعرقية مختلفة إلى مواقع سياسية بارزة.

وكان الإعلامي عمرو أديب من بين المتفاعلين مع النتيجة، إذ كتب عبر حسابه على منصة إكس تعليقًا أشار فيه إلى أن النظام السياسي الأمريكي أتاح لعبد الرحمن محمد السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ.

كما علقت الإعلامية ياسمين الخطيب على فوزه، معتبرة أن النتيجة تؤكد إمكانية تغلب إرادة الناخبين على الاختلافات الدينية والعرقية.

وبذلك تحولت قصة عبدول السيد إلى واحدة من أبرز الحكايات التي جمعت بين الأصول المصرية والنجاح السياسي الأمريكي، بعدما بدأ اسمه باختصار فرضته صعوبة النطق في المدرسة، وانتهى به الأمر إلى دخول التاريخ باعتباره أول مسلم يفوز بعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي.