تحليل

المرأة والشهرة: الفصل السادس عشر من كتاب لوغاريتمات الشهرة

عمرو منير دهب

الشهرة مقام آخر تتجلّى فيه جرأة حواء في مواجهة المفاهيم التي تحوم حولها شبهات “توافه الأمور”. وكنا قد رأينا أن الموضة هي أحد أبرز تلك الشبهات التي تواجه المرأةُ تهمةَ الالتصاق بها بجرأة منقطعة النظير.

رأينا في “كل شيء في الحياة موضة” أننا “مع المرأة نغدو أمام واحدة من أظهر حالات مواجهة فكرة الموضة جرأةً، إن لم تكن أجرأ تلك الحالات على الاطلاق، فحواء وحدها مَن ظلّ يعدو نحو الموضة بإصرار وثقة غير عابئة بوابل الغمز واللمز المتواصل من المجتمع عموماً، ومن الرجل تحديداً (وحصراً؟) بطبيعة الحال”.

نرشح لك: سقراط والشهرة: الفصل التاسع من كتاب لوغاريتمات الشهرة

مع مفهوم الشهرة قد يختلف الأمر قليلاً، فللرجل نصيب لا مراء فيه من اللهاث خلف الشهرة، بل لعله أكثر حباً للظهور على أكثر من صعيد، وهو لا يعدم مبرراً “عقلانياً” لذلك السعي الحثيث إلى الظهور، كالتذرّع بدافع من قبيل أهمية التأثير في المجتمع والناس. هنا تحديداً تتجلّى جرأة حواء، فهي ليس بحاجة إلى حيلة عقلانية أو مبرر أخلاقي للسير على طريق الشهرة، بحيث تبدو والحال كتلك أجرأ من الرجل في مواجهة حبّها الصريح والخالص للأضواء وما تجلبه من هالات المجد بعيداً عن ادّعاء غايات نبيلة كالتأثير في الناس أو أداء واجب أخلاقي تجاه المجتمع.

الأكثر مدعاة للانتباه في جرأة المرأة تجاه التعامل مع الشهرة يتمثّل في سلوكها تجاه المشاهير أكثر مما يتجلّى فيما تفعله وهي تسعى إلى اكتساب الشهرة على أي صعيد. فحواء تنصرف إلى الولع بالنجوم لمجرّد كونهم نجوماً، ومجدداً دون الحاجة إلى التستّر خلف مبررات عقلانية أو دوافع أخلاقية تبّرر صنيعها ذاك الذي لا تلتفت إلى أية اتهامات أو مكايدات بشأنه تهويناً وتسخيفاً من قبل “خصمها” الرجل.

وإزاء مكايدات الرجل رأينا في المقام ذاته من “كل شيء في الحياة موضة” كيف أن حواء تبلي على ذلك الصعيد بلاءً حسناً وذكيّاً: “الأرجح أن حواء تعرف كيف تصمد إزاء مكايدات الرجل، والمجتمع بصفة عامة، في ما يخص انصرافها إلى تبجيل فكرة الموضة مع الأزياء لأنها ابتداءً تعرف كيف تنافح دون مواقفها حتى وهي تنصرف إلى ما لا تجادل كثيراً بخصوص كونه انصرافياً بحتاً من شؤون الحياة. فإذا دعت “الضرورة” امرأة إلى التعلق بـ”قشرة” من قشور الحياة فلن تتجشّم مستحيلَ تفسير “القشرة” على أنها لبّ، بل ستعوِّل في انصرافها ذاك على أن تلك “القشرة” هي بمثابة اللبّ بالنسبة لها، أو أنها أهم من اللبّ في تقديرها، وليس مما يعنيها أن يقتنع الرجل برؤيتها قدر ما يهمّها أن لا يعرقل مسيرتها نحو ما ترغب في الوصل إليه، ومن ثمّ توريطه من حيث لا يحتسب من باب الإذعان بالصمت، وهو ما يتطوّر على الأرجح إلى نوع من المشاركة القسرية على سبيل الاصطحاب بشكل أو آخر في الرحلة نحو هدفها المنشود”.

إذا كانت حواء بتلك البراعة في التعامل مع موقفها وسلوكها تجاه “قشرة” الموضة، فإنها لن تعجز عن أن تسلك بذات البراعة إزاء “قشرة” الشهرة، وكما رأينا فإنها لن تتجشّم عناء تفسير أن ما يحسبه غيرها (مَن سوى الرجل؟) قشرة هو بالنسبة لها لبّ. وببعض التروّي لن يكون عسيراً إدراك أن حواء أكثر جرأة في مواجهة “حقائق” الحياة التي تحرج غرائزَ الإنسان ونزعاته الطفولية مما يحاول الرجل أن يبدو مترفّعاً إزاءه، وهو سلوك لا يجب أن ينال وصفاً أقلّ من الجرأة، وهي جرأة لا يعيبها أن حواء تذهب بها بعيداً إلى حيث تغدو مبالغاً فيها في نظر “خصمها” الرجل، فالجرأة دون مبالغة لا تستحق أن تسمّى كذلك.

استمراراً في الاقتطاف عن “كل شيء في الحياة موضة” نقف أمام قدرة فريدة لحواء تتجاوز الجرأة مجرّدة إلى حيث يغدو بإمكانها المزاوجة بين الانبهار الصارخ بـ “القشرة” والتقدير العميق للّب: “نظرة حواء إلى الذهب موضع آخر لا تتجلى فيه فحسب جرأتُها في الانصراف إلى ما هو برّاق وجميل، وإنما كذلك قدرتها على المزاوجة بين الانبهار غير المتحفِّظ بالبريق وبين التقدير العميق للجوهر الكامن خلف ذلك البريق دون حرج في المزاوجة المتوازنة أو حتى المائلة إلى ترجيح كفة البريق على الأقل في الظاهر من إمارات الافتتان”.

وإذا كان شائعاً أن حواء تغار من أختها حواء أكثر مما تُعنى بالغيرة من “خصمها” آدم، فإن ذلك لا يجب أن يغري بالقول قياساً إن المرأة تغار من المرأة المشهورة أكثر مما تغار من الرجل المشهور، فالغيرة في الشهرة تتعلق بالتنافس في المجال المشترك أكثر مما ترتبط بطبيعة الجنس ذكراً وأنثى، وهو ما يكاد يشمل كل شؤون الحياة على الصعد العملية والاجتماعية وليس على صعيد الشهرة فحسب، حتى إن الغيرة المتبادلة بين النساء بصفة عامة يمكن النظر إليها والحال كتلك بوصفها غيرة بين متنافسات في مجال مشترك من قبيل الجمال الطبيعي أو التفنّن في أشكال وألوان التجمّل أو الظفر بقلوب الرجال. وحواء على الأرجح لن يقلقها أن تكون أكثر مبالغة من الرجل في غيرتها بصفة عامة، فهي كما رأينا أكثر صدقاً وجرأة في أن تترك انفعالاتها على سجيّتها دون تدخلات (مصطنعة؟) بالتلطيف، سواء على صعيد الشهرة أو في غير ذلك من شؤون الحياة.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock