تحليل

لا خلطة سرّية: الفصل الثاني من كتاب لوغاريتمات الشهرة

الخلطة السرية
عمرو منير دهب

تكاد تنصرف الأذهان إلى سلسلة مطاعم الدجاج المقلي الأشهر في العالم عند الحديث عن “الخلطة السرية”، والأرجح أن الهالة التي أحاطت بسرية تلك الخلطة هي ما منحها شهرتها التي طبّقت الآفاق أكثر من سحر الطعم الذي يكمن في الخلطة الفريدة.

لا أحد عشر عُشباً ولا توليفة من مائة من الأعشاب تكفي لجعل الملايين على امتداد العالم يتدافعون إلى التهام قطع دجاج لكونها تستحوذ حصرياً على سر الطعم الأفضل في العالم. إضافة إلى الهالات (الأساطير؟) التي تلفّ خلطة سرية مخبّأة في قبو تحت حراسة تكاد تذهب بها بعضُ الروايات إلى مدى لا يقلّ عمّا تحظى به الحقيبة النووية من حراسة بالغة التشديد، تبقى مهارة الترويج التسويقي والإعلامي منقطعة النظير سبباً مباشراً في اكتساح العلامة التجارية التي يظهر فيها وجه الكولونيل المؤسس هارلاند ديفيد ساندرز Harland David Sanders بنظارة كبيرة ولحية صغيرة وابتسامة لا يخطئ الناظر إليها قدراً من الودّ والوداعة.

نرشح لك: تسول الشهرة.. الفصل الأول من كتاب لوغاريتمات الشهرة

لا دخل إذن للمقادير المختلَف حولها من ملاعق الطعام الصغيرة المحتوية على الملح والفلفل والزعتر والريحان والثوم والخردل والزنجبيل والأوريغانو وغيرها، لا دخل لذلك باكتساح دجاج كنتاكي المقلي أفواهَ وبطون المستهلكين على امتداد أنحاء الكرة الأرضية المتفرقة، بل لا تقف مهارة التسويق والترويج الفريدين بدورها سبباً قاطعاً لذلك الاكتساح، ذلك أن عشرات (مئات؟) المحلات حول العالم قلّدت الخلطة، ولا بدّ أن العديد منها قد نسخ كثيراً من ملامح خطط التسويق والترويج، لكن أيّاً من تلك المحاولات – التي لاقى بعضها نجاحاً مقبولاً – لم يبلغ مبلغ كنتاكي من الشهرة والمجد.

قصة أي نجاح جديرة بالإلهام، لكن نَسخ النجاح كما لو كان في سهولة وضعه أعلى ماكينة تصوير مستندات لتخرج صورة طبق الأصل من أسفل أو أحد جانبي الماكينة غير ممكن بأية حال، فلو كان الأمر بتلك السهولة لامتلأ العالم بقصص النجاح المتكررة بالسرعة التي تخرج بها الصور بمجرد كتابة الرقم الدال على عدد النسخ المرادة والضغط على زر “انسخ” في ماكينة التصوير.

للنجاح المستقِر، وليس العابر بأية حال، قصصُه الأصيلة. حتى النجاحات المستنسخة تحتاج إلى قدر من الأصالة للمتابعة بعد أن يتسنى لها الانطلاق بنظرة اختلاس عابرة، وذلك بعيداً عن الجدال حول مشروعية فكرة الاختلاس نفسها استناداً إلى أية مرجعية أخلاقية، وقصص النجاح – التجارية بصورة أكثر خصوصية – لا تهتمّ كثيراً على كل حال بما هو أخلاقي قدر انشغالها بما يكفل تحقّقها وازدهارها بعيداً عن المساءلة القانونية تحديداً، أما المساءلات الأخلاقية في الأسواق فستغرق على الأرجح في بحور الاختلاف على المرجعيات المستند إليها ويكاد يختفي ما يظل صامداً منها وراء بريق النجاح الباهر الذي يخطف أنظار الجماهير ويحجب عنها ما سواه.

وإذا كان التقليد لا يضمن تكرار قصة النجاح، فإن أصالة الفكرة في المقابل لا تكفي وحدها لتحقيق أي نجاح. المثابرة ضرورية، لكنها ليست كافية أيضاً لإحراز نجاح أسطوري على أي صعيد قدر ما هي سمة لازمة للعمل الذي يحظى بالتقدير ويثمر عمّا يكفل الاستمرار في الحياة بشكل أو آخر من أشكال القناعة والرضا.

يتضاعف التحدّي عندما تنضاف إلى النجاح مجرّداً صفةُ الشهرة، فبعض النجاحات الأسطورية لا يلفت الأنظار إذا كان محوره بعيداً عن اهتمام الجماهير. الأدهى أن يكون موضوع النجاح متعلقاً بمنطقة بارزة من اهتمام الناس ويتحقق النجاح بالفعل إلى حد الاكتساح في حين تظل الأضواء منحسرة عن صاحبه، وأشهر الأمثلة على ذلك أن تطبّق شهرةُ كتاب ما الآفاق ويظل صاحب الكتاب مجهولاً كما هو الحال مع “ألف ليلة وليلة”، وربما يشتهر الكتاب ومؤلفه معروف، لكن تظل هالة الشهرة مسلّطة على الكتاب وعنوانه أكثر مما هي ملقاة على المؤلف كما هو الحال مع دون كيخوتي/دون كيشوت Don Quixote ومؤلفه المظلوم إلى حد ما ميغيل دي سرفانتس Miguel de Cervantes.

الشهرة متطلباتها أعظم من النجاح، لأن الشهرة تقتضي أن تتيح الجماهير من وجدانها مساحة خاصة للمشهور، ومن المهم الانتباه إلى أن تلك المساحة قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية، لكنها في الحالين مخصصة حصراً للمشهور، وهو ما ليس لازماً من قِبل الجماهير مع النجاح وقصصه بصفة عامة، فالنجاح يشير إجمالاً إلى تحقق غاية مادية أو معنوية لا تُعنى بالضرورة بالبريق الذي هو “جوهر” الشهرة، وأرجو أن تجوز المفارقة في التعبير الأخير.

في كل الأحوال تظل خلطة الشهرة خاصة جداً بكل قصة على حدة أكثر من كونها سرية، بل نادراً ما تكون الخلطة سرية أصلاً، وحتى إذا كانت كذلك – كما هو الحال في المقصود حرفياً بالخلطة مع دجاج كنتاكي الشهير – فإن قصة النجاح الكاسح لا تكون مرتبطة بسريّة الخلطة قدرَ ما تبدو مرتبطة بعوامل أخرى كالتسويق والترويج الفريدين على نحو ما أشرنا. الشهرة خلطتها خاصة وفريدة، والأهم أنها تبقى دوماً مغرية بالتحليل والتفسير وباعثة على الإلهام والاقتداء، ولكن دون أية ضمانات مسبّقة بالنجاح في تحقيق أي قدر من الشهرة.

التستّر على مكوّنات الخلطة هاجس يشغل المشاهير عندما يبالغ بعضهم (كلّهم؟) في كتمان ما يظنّه سرّاً خاصاً بشهرته سيُعين – في حال اكتشافه – آخرين ليس فقط على تحقيق الشهرة وإنما على سحب بساطها بدرجة أو أخرى من تحت أقدامه. والحق أن ذلك قد يحدث، فوقوف المتطلّعين إلى الشهرة على بعض أدق التفاصيل التي يسلكها أحد المشاهير على طريقه قد يؤثِّر في مدى فَعالية محتويات الخلطة إذا لم يكن وارداً أن يبطل مفعولها تماماً مع صاحبها، والمشاهير حريصون على شهرتهم بشكل هوسيّ من أن تُخدَش بأي قدر لأيِّ من الأسباب حتى إذا كانوا يدركون في أعماقهم أنها محصلة لمجموعة متداخلة من العوامل المعقدة غير القابلة للنسخ يشار إليها مجازاً بالخلطة السرية.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])

حمادة مراسل إعلام دوت كوم راح يحقق في “#الجريمة” بنفسه، من العرض الخاص للفيلم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock