يستضيف جاليري 38 بالدار البيضاء، معرضا جديدا للفنان يونس الخرساني بعنوان "ساتوري" يطرح من خلاله فصلاً بارزاً في مساره الفني. فبعد استكشاف اهتزازات اللون وإيهامات الفن البصري، يعود إلى المادة عبر السيراميك، محوّلاً إياه إلى جداريات ذات أبعاد نحتية وتكوينات معمارية حسّية.
و"بين الأرض والسماء"، تتساءل أعماله عن الحركة والنور واللامتناهي، ضمن حوار تلتقي فيه الحرفة المتوارثة بالتقنيات المعاصرة. مع قناعة ترافق يونس الخرساني عبر السنوات والتحولات التي عرفتها تجربته حيث يقول: "المادة ليست جامدة أبداً؛ إنها تختزن ذاكرة، وتحمل طاقة، وتمتلك قدرة تكاد تكون غامضة على تجديد ذاتها".
ويمضي الفنان أبعد في هذا التأمل، متخذاً من السيراميك مجالاً لبحث تشكيلي تتلاشى فيه الحدود بين النحت والرسم والعمارة. ووُلد يونس الخرساني بالدار البيضاء سنة 1976، وتخرج في مدرسة الفنون الجميلة بالمدينة، ولا سيما على يد محمد حميدي. وينتمي إلى جيل من الفنانين الذين يواصلون طموح مدرسة الدار البيضاء ويعيدون ابتكاره عبر إقامة حوار بين التخصصات، وردّ الاعتبار إلى المعارف الحرفية، وربط الفن بعلاقة حية مع الفضاء. وهو يقدّم اليوم قراءة شديدة الخصوصية لهذا الإرث الذي حمله، من بين آخرين، فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد حميدي ومحمد شبعة.
يونس الخرساني
يونس الخرساني
اتسمت أبحاثه الأولى بعلاقة جسدية مباشرة مع المادة. فقد تحولت المعادن والمنسوجات والآلات الموسيقية المفككة والأشياء المعاد توظيفها إلى عناصر لغة تشكيلية تتغذى من الذاكرة والتحول. وابتداءً من سنة 2020، اتجهت تجربته نحو التجريد الهندسي والفن البصري، وأصبحت تكويناته تقوم على الاهتزازات اللونية وإيحاءات العمق وإيهامات الحركة. وقد جسّد معرضه «نور مقدّس»، الذي احتضنته غاليري 38 بالدار البيضاء سنة 2022، هذا الافتتان بالإمكانات شبه اللامتناهية للنور.
يونس الخرساني
يونس الخرساني
وفي معرضه الجديد يلتقي هذان البعدان من مساره. فالعودة إلى الطين تمثل امتداداً للتجريد داخل حضور مادي جديد؛ إذ تتحول الأسطح إلى تضاريس، وتتجسد الخطوط، وتغادر التكوينات مستوى اللوحة لتشغل الفضاء. ويتيح السيراميك ليونس الخرساني أن يمنح حضورا ملموسا لما كان، حتى ذلك الحين، ينتمي أساسا إلى مجال الإدراك البصري. حين تصبح المادة نوراً.
تُثمر هذه الأبحاث الجديدة جداريات وأعمالاً نحتية ضخمة، تولّد أشكالها المتموجة وأحجامها وتفاوت مقاييسها إحساساً بحركة متواصلة. يتحاور الفراغ مع الامتلاء، وتتجاوب الأسطح المقعّرة مع البروزات المحدّبة، فيما يعيد الظل والنور رسم الأعمال باستمرار تبعاً لزاوية النظر وموقع المشاهد. ويظل اللون عنصراً أساسياً في هذه اللغة الجديدة. فالأصفر والأحمر والأزرق تتدرج ضمن تنويعات دقيقة، تتناوب فيها الأسطح المطفأة واللامعة، مولّدة اهتزازات تمنح التكوينات إيقاعها الخاص. وتكاد الجداريات تُقرأ كمدوّنات موسيقية، يسهم فيها كل بروز وكل درجة لونية وكل تغير ضوئي في بناء تناغم شامل.