سمير محمود يكتب: 3 ليالٍ موسيقية لـ منال محيي الدين و"أنامل شرقية".. الهارب يغنّي ويستدعي ذاكرة الشرق

حضرت واحدة من الحفلات الموسيقية الثلاث احتضنها مسرح مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي "إثراء" في الظهران بالمنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، بقيادة عازفة الهارب المصرية الدكتورة منال محيي الدين وفرقة "أنامل شرقية".

 وأدرك أن أنامل العازف حين تتسلل فوق الأوتار، لا تعود الموسيقى مجرد نغمات تتعاقب في فضاء المسرح، بل طريقًا إلى الذاكرة، ونافذة تطل منها الأغنيات القديمة على مسامع الجمهور بملامح جديدة.

هذا ما حملته ثلاث ليالٍ موسيقية لمنال محي الدين، وسط تفاعل جماهيري كبير وترحيب لافت بالتجربة التي أعادت تقديم مجموعة من الأغنيات والألحان العربية المألوفة بروح مختلفة، من دون أن تفقدها ملامحها الأصيلة.

التقى جمهور إثراء بتجربة موسيقية جمعت بين رهافة الهارب وإيقاعات الموسيقى الشرقية، في توليفة أعادت تقديم ألحان وأغانٍ مألوفة. وكان التفاعل الجماهيري الكبير والترحيب الذي حظيت به الحفلات انعكاسًا لنجاح التجربة في مخاطبة الذاكرة الموسيقية للجمهور، وتقديم الفن العربي في صيغة تجمع بين الأصالة والتجديد.

لم تكن ثلاث ليالٍ موسيقية عادية في نهايات أغسطس الماضي، كانت أقرب إلى رحلة في الذاكرة والوجدان، تستعيد فيها الموسيقى العربية حضورها عبر آلة تنتمي إلى عائلة الآلات الوترية، لكنها استطاعت، في أيدي عازفة متمكنة، أن تتحول إلى صوت دافئ يحمل ملامح الشرق، ويستحضر حكايات الأغنيات التي رافقت أجيالًا من المستمعين.

الهارب.. أوتار الحكاية!

منذ اللحظات الأولى، بدأ الهارب في قلب المشهد، لا مجرد آلة مرافقة أو عنصر زخرفي في التوزيع الموسيقي، بل صوتًا قادرًا على قيادة الحكاية. تتوالى نغماته برقة، وتتسع مساحاتها لتحتضن اللحن، ثم تنساب في مسارات تستدعي صورًا وذكريات يصعب فصلها عن الأغنيات التي استقرت طويلًا في وجدان المستمع العربي.

وهنا تكمن خصوصية تجربة منال محيي الدين؛ فهي لا تتعامل مع الهارب بوصفه آلة ذات طبيعة كلاسيكية فحسب، وإنما تستكشف إمكاناته في التعبير عن روح الموسيقى العربية، وتمنحه مساحة جديدة للحوار مع الإيقاعات والآلات الشرقية. والنتيجة ليست مجرد نقل للألحان من وسيط إلى آخر، بل إعادة اكتشاف لها، بحيث يسمع الجمهور ما يعرفه، لكنه يراه هذه المرة من نافذة موسيقية مختلفة.

الحفلات الثلاث كانت رحلة ممتعة مدتها قرابة الساعتين لكنها إبحار موسيقي عمره يتجاوز قرن من الزمان، غوص هادئ في تاريخ الأغنية العربية ووجدانها، فقد استحضرت الحفلات ألحانًا ارتبطت بذاكرة أجيال، ومنحتها فرصة جديدة للحياة بعيدًا عن الكلمات والأصوات التي ألفها الجمهور. هنا، تولت الآلات مهمة الحكي، وصارت النغمات قادرة على استدعاء صور وأزمنة وذكريات، في تجربة جمعت بين أصالة الموسيقى الشرقية ومرونة التوزيع الموسيقي المعاصر.

في قلب هذه التجربة، حضرت منال محيي الدين بآلة الهارب، التي تمتلك طبيعة صوتية خاصة تجمع بين الرقة والشفافية والقدرة على بناء مساحات لحنية واسعة. حيث أنه يحرر اللحن من الكلمات من دون أن يفصله عن معناه. فالأغنية التي عرفها الجمهور بصوت مطربها تتحول إلى حكاية ترويها الآلات، فيما تظل روحها حاضرة في الذاكرة، قادرة على إثارة المشاعر ذاتها، وربما فتح أبواب جديدة للتأمل والاستماع. وكأنها نافذة مختلفة لإعادة اكتشاف الألحان العربية، وإبراز تفاصيل قد لا ينتبه إليها المستمع في النسخ الغنائية المألوفة.

الأعمال التي تم تقديمها في الحفلات الثلاث حملت تنوعًا يستدعي محطات متعددة من تاريخ الأغنية العربية، ويمنح الجمهور فرصة للتنقل بين ألوان موسيقية مختلفة، من سيد درويش إلى عمر خيرت، ومن الأغنية الطربية إلى الألحان المرتبطة بالسينما والموسيقى التصويرية.

زوروني كل سنة مرة

ومن بين الأعمال التي ضمتها القائمة: "زوروني كل سنة مرة"تأليف: سيد درويش، "كلمة حلوة": تأليف مروان سعادة، "تيمة حب" - "قطرات الندى" تأليف عمر خيرت، "كوكتيل أسهمان"، تأليف: فريد الأطرش، محمد القصبجي، مدحت عاصم، "يا زهرة في خيالي" تأليف: فريد الأطرش، "يمامة بيضا" : من التراث، "ميس الريم" - "الصيفية" تأليف: زياد والرحبانية، "موسيقى فيلم أبو علي" تأليف: عمرو إسماعيل، "رقصة عزيزة" تأليف: محمد عبد الوهاب،

"كوكتيل بليغ حمدي" تأليف: بليغ حمدي.

أما منال محي الدين فكان معزوفة ناعمة بذاتها، بإطلالتها المميزة وروحها التي تشبه النسمة في ليالي الصيف، تحرص بين كل فاصل موسيقي وآخر على الوقوف تحية للجمهور وتقديرًا للعازفين "مجموعة أنامل شرقية"، وتنصت لتفاعل الحضور وتتجاوب معه بتلبية طلبات عزف من خارج البرنامج، وبالإجادة نفسها والجاهزية والمرونة والاحترافية، وجدت نفسي وغيري في قلب أعمال غنائية بعضها يعود لعقود من قرن مضى لكنها بقت خالدة في الوجدان وفي ذاكرة السميعة، والأروع الجمهور السعودي وكل الحضور من العالم العربي الواسع، المتفاعل برقي شديد مع كل فاصل للعزف، المتذوق لكل ما تقدمه البارعة منال محي الدين.

لم يكن استدعاء هذه الأعمال مجرد احتفاء بأغانٍ معروفة، بل استعادة لمساحات واسعة من الذاكرة العربية. فلكل لحن حكايته، ولكل أغنية زمنها الخاص في حياة مستمعيها؛ بعضها يرتبط بذكريات شخصية، وبعضها يستحضر زمنًا فنيًا ترك بصمته في تاريخ الموسيقى العربية.

وفي هذا التحول تكمن متعة التجربة: أن يكتشف المستمع أن الأغنية التي يحفظها قديمةً وجديدةً في الوقت نفسه، وأن اللحن الذي اعتاد سماعه بصوت مطربه المفضل قادر على أن يفتح بابًا آخر للدهشة حين يُعاد تشكيله موسيقيًا.

"أنامل شرقية".. وحوار خاص بين الآلات

لم تكن خصوصية الحفلات في حضور الهارب وحده، بل في الحوار الذي نشأ بينه وبين منال محيي الدين وأعضاء فرقة «أنامل شرقية»، الذين أسهموا بآلاتهم المختلفة في تشكيل النسيج الموسيقي للحفلات، من خلال المزج بين الآلات العربية التقليدية والآلات الأوركسترالية. وقد منح هذا التلاقي الأعمال المقدمة تنوعًا في الألوان والإيقاعات، ووسّع المجال أمام الألحان لتحتفظ بجذورها الشرقية، بينما تكتسب في الوقت نفسه ملامح جديدة.

أجادت منال محي الدين ببراعة وتمكن من الحفاظ على اللحن وذاكرة جمهوره، فلا التزام حرفي بالنسخة اللحنية الأصلية بما يهدر فكرة وفرصة التجديد، ولا افراط في التجديد الذي يشوش ويربك الذاكرة اللحنية للجمهور، وإنما حضور خاص لروح العمل بلمسات سحرية جديدة ومتفردة تجعله جديرًا بالاستماع وتخلق تجربة تلقي جديدة.

وبدوري أحيي أصحاب هذا النسيج الموسيقي المتكامل في مجموعة "أنامل شرقية" التي ضمت شادي عبد السلام عازف كمان أول، وحسام عزت كمان ثان، وعماد مرسي "فيولا"، وعلاء عبد الله "تشيللو"، إلى جانب كريم واصف "جيتار"، وبيشوي رزق "أكورديون"، ومحمود كمال "ناي"، وهشام كمال وضحى الجيزاوي على "الإيقاع".

ويكشف هذا التكوين عن تنوع لافت في مصادر الصوت؛ فالكمان والفيولا والتشيللو تمنح الموسيقى عمقًا وامتدادًا لحنيًا، فيما يضيف الناي نبرة شرقية ذات طابع وجداني، ويمنح الأكورديون والجيتار مساحة أوسع للتلوين الموسيقي، بينما تضبط الإيقاعات حركة الألحان وتمنحها حيويتها.

إثراء.. ملتقى الفنون

كان الترحيب الجماهيري الذي صاحب الليالي الثلاث جزءًا أساسيًا من المشهد. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التفاعل الكبير الذي حظيت به الحفلات؛ إذ التقت القيمة الفنية للمشروع مع قدرة الأغنيات على استدعاء الذاكرة المشتركة. لم يكن الجمهور أمام برنامج موسيقي غريب عنه، بل أمام ألحان يعرفها، أعيد تقديمها في ثوب يتيح له الإصغاء إليها من جديد.

وهكذا، تركت الليالي الثلاث أثرها في جمهور إثراء، لا بما قدمته من ألحان مألوفة فحسب، بل بما كشفته من إمكانات جديدة لآلة الهارب، وبما أكدته من أن الموسيقى العربية تملك من الثراء ما يسمح لها بأن تُروى بأكثر من صوت، وأن تظل قريبة من وجدان جمهورها، حتى حين تتغير الآلات وتتبدل طرق الأداء.

ثلاث ليالٍ أعادت للأغنية ذاكرتها، وللهارب حضوره، وللموسيقى قدرتها على جمع الناس حول لغة لا تحتاج إلى كلمات كي تبوح بأسرارها.