مينا محب يكتب: "ما لم يُحكَ عن بني مزار".. دراما لا تغلق الملف

ماذا يحدث عندما تكون الجريمة معروفة، بينما الحقيقة نفسها لا تزال غائبة؟ وهل يمكن للدراما أن تستعير من الملفات الجنائية دون أن تتحول إلى مجرد إعادة تمثيل؟



حلقات (ما لم يُحكَ عن بني مزار)

تلك هي الأسئلة التي يدخل منها سلسلة حلقات (ما لم يُحكَ عن بني مزار) من مسلسل القصة الكاملة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الذاكرة المصرية؛ لا باعتبارها ملفًا جنائيًا تعيد الدراما فتحه، وإنما باعتبارها مادة لم تكتمل فيها الصورة، فتصبح مهمة الكاتب والمخرج أكثر تعقيدًا: ليس سرد ما حدث بالفعل، وإنما بناء عالم يمكن للمشاهد أن يصدقه حتى عندما لا يملك العمل إجابة نهائية عما حدث.


جريمة بني مزار


فجريمة بني مزار، التي وقعت عام 2005 وأسفرت عن مقتل عشرة أشخاص، انتهت قضائيًا إلى تقييد القضية ضد مجهول، وهو ما يضع العمل منذ لحظته الأولى أمام معادلة مختلفة عن أغلب أعمال الجريمة؛ فلا قاتل مؤكد يمكن أن تبدأ الحكاية من مطاردته، ولا حقيقة نهائية يمكن أن تُبنى عليها الحبكة.


ولهذا تبدو "إدارة الشك" هي اللعبة الأساسية التي يبني عليها المسلسل. فمنذ الحلقة الأولى لا يكتفي العمل بعرض الجريمة، بل يفتح أكثر من باب لتفسيرها. وتُحسب الكتابة لـ هاني سرحان في التعامل مع هذه المساحة المفتوحة، إذ لا يفرض تفسيرًا واحدًا للجريمة، وإنما يبني الحكاية على تعدد الاحتمالات وإبقاء الشك قائمًا.


الباب الأول سياسي وزمني، وهنا تتكشّف الدلالة الرمزية بوضوح في توقف الكاميرا بشكل لافت على صورة مبارك المعلّقة داخل قسم الشرطة، فالكادرات لا تمر مرور الكرام على التفاصيل، وكأنها تربط الجريمة بزمن النظام السابق ونفوذه الممتد. ويتجلّى التوظيف أكثر عند قدوم ضابط برتبة عالية من القاهرة للضغط على المحقق لتلفيق القضية، وهنا لا يبقى الرمز إشارة عابرة، بل يتحوّل إلى مدخل لنقد أوسع: غياب العدالة، والتغطية، وعجز الدولة.


والباب الثاني شعبي خرافي، حيث تنتقل الحكاية إلى الجن والسحر والكنز المدفون، وهي حكايات جعلت الأهالي يصدّقون أن الحمام المذبوح والأعضاء المستأصلة جزء من طقوس فتح الرصد. والدراما هنا لا تؤكّد الشائعة، بل تستعيدها كأحد التفسيرات الشعبية التي دارت في القرية، فتعيد ترتيب الشائعات والتلميحات بدل أن تقدّم «الحقيقة».


وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد البحث عن القاتل: لماذا اختار صناع العمل وضع كل هذه الاحتمالات جنبًا إلى جنب؟ فوجود هذه الاحتمالات المتباعدة لا يصنع الغموض فقط، وإنما يكشف الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع واقعة لا يجد لها تفسيرًا: حين تغيب الحقيقة، تبدأ الروايات في ملء الفراغ.


الصورة والإيقاع


لكن ما يمنح الحكاية وجودها الفعلي هو لغتها البصرية؛

فإخراج أحمد نادر جلال يعتمد على الإيحاء أكثر من العنف المباشر وعلى طرح سؤال (لماذا حدثت الجريمة؟) بدلاً من مجرد من فعلها ؟.


هنا الإيقاع جاء بطيئاً يعتمد على اللقطات الطويلة أكثر من المونتاج السريع، تميل الألوان نهارًا إلى درجات ترابية باهتة توحي بواقع مهمل، وليلاً إلى الأزرق الداكن والأسود بتباين حاد مع إضاءة قاسية، لتعزز الشعور بغياب الحقيقة والغموض. وتأتي الكادرات في مشاهد المكاتب مغلقة وضيقة، بينما في القرية أكثر اتساعاً وفراغاً، كأن المكان نفسه يرفض أن يبوح بالأسرار. وتظل الإضاءة في معظم المشاهد خافتة ومكبوتة، متسقة مع هذا الاختيار البصري، فلا توضح بقدر ما تشارك في بناء حالة ضبابية غير مكتملة الوضوح.


أما الكاميرا فتقترب كثيرًا من وجوه الشخصيات في لحظات الشك والخوف، فتجعل الانفعالات جزءًا أساسيًا من بناء المشهد؛ تلتقط مع أهل القرية وجوهًا محاصرة بالريبة والفزع، بينما تمنح الضابط مساحة أوسع لقراءة الحيرة. وهكذا تتكامل حركة الكاميرا مع أداء الممثلين، فلا تنقل الانفعال فحسب، بل تجعل الوجه نفسه أداة كشف.


كيف عرض المخرج الضحايا؟


تجنب الإخراج تحويل الجثث إلى مادة مثيرة. فالكاميرا لا تبحث عن التفاصيل الأكثر قسوة بقدر ما تستخدم الجسد كدليل داخل الحكاية. الرعب هنا يأتي من طريقة الكشف، لا من حجم ما تعرضه الصورة. فالحمام المذبوح والأعضاء المستأصلة والأبواب المغلقة من الداخل تتحول إلى أسئلة مفتوحة داخل الإطار، لا إلى مشاهد صادمة


الممثلون

ويأتي الأداء منضبطًا ومكتومًا، يعتمد على الصمت والنظرات أكثر من الانفعالات، دون استعراض فردي، وبنبرة هادئة تواكب إيقاع العمل.

أحمد عبد الوهاب

ويبرز أحمد عبد الوهاب بتعبيرات دقيقة تعكس ارتباكه الداخلي دون مبالغة، فيما يفاجئ ميشيل ميلاد بأداء يبتعد عن قالبه الكوميدي المعتاد، كاشفًا عن قدرة لافتة على بناء شخصية أكثر قتامة وتعقيدًا. أما عارفة عبد الرسول، فتملك حضورًا يغيّر إيقاع المشهد بمجرد حديثها؛ أداء هادئ ظاهريًا، لكنه مشحون بطاقة تجذب المشاهد إلى الحالة وتصنع الإصغاء.

أين يتعثر العمل؟

يتعثر العمل في ازدحام الاحتمالات داخل ثلاث حلقات؛ فبعض الخيوط تُفتح أسرع مما تُطوَّر، بينما يأتي الانتقال من إدارة الشك إلى التفسير النهائي للسحر الأسود بحاجة إلى تمهيد أعمق. كما أن بعض الرموز، كصورة مبارك التي فوق المكاتب تبدو أحيانًا أكثر مباشرة مما يحتاجه الغموض.

(ما لم يُحكَ عن بني مزار) ليست حكاية عن جريمة لم تُحل بقدر ما هي تحذير درامي من الخرافة والجهل حين يتحولان إلى وقود للعنف. وربما يكون أقوى ما تتركه الحلقات أنها أبقتنا، مثل أهل القرية قبل عشرين عامًا، بلا قاتل وبلا إجابة؛ وفي زمن الإجابات السريعة، يظل هذا الغموض هو أكثر ما يعلق في الذاكرة.

وتحية للمنتج مجد الهواري، المنتج الواعي والمثقف، الذي غامر بإنتاج هذا العمل المثير للجدل، واختار أن يمنح هذه القضية مساحة درامية تطرح الأسئلة بدل أن تكتفي بإعادة سرد ما هو معروف.