كارلو كارينو عرّاب الكتب الصوتية: "العربية سوق لم تُستغل إمكاناتها بعد"

محمد عبد الرحمن- أبو ظبي

على هامش مشاركته في كونجرس العربية والصناعات الإبداعية بأبو ظبي، الذي ينظمه مركز اللغة العربية بإمارة أبو ظبي، التقى إعلام دوت كوم السيد/ كارلو كارينيو Carlo Carrenho، عراب الكتب الصوتية، حيث يعمل مستشارًا في مجال النشر، ومحللًا، ورائد أعمال يحمل الجنسيتين البرازيلية والسويدية، ويمتلك خبرة تزيد عن 30 عاماً في قطاعي الكتب والكتب الصوتية على المستوى الدولي.

حصل كارلو على شهادة في الاقتصاد من جامعة ساو باولو، وأتمّ برنامج "رادكليف" للنشر (Radcliffe Publishing Course) في جامعة هارفارد، ويعمل انطلاقاً من السويد عند تقاطع مجالات النشر والتكنولوجيا والأسواق العالمية، حيث يساعد الناشرين والمؤسسات على التعامل مع التحول الرقمي، ومجال الكتب الصوتية، ونماذج الأعمال الناشئة، وخطط التوسع الدولي.

ودار هذا الحوار حول حاضر ومستقبل الكتب الصوتية، ومدى قدرتها على منافسة الكتب الورقية.

- بصفتك عراب الكتب الصوتية في العالم، كيف ترى حاضر الكتب الصوتية في العالم العربي تحديدًا، هل وصلت للمرحلة التي تتوقعها أم لا؟

- عند مقارنة الوضع بدول أخرى، أرى أن هناك بداية جيدة الآن؛ ففي دول الشمال (التي أقيم فيها)، تفوقت مبيعات الكتب الصوتية على الكتب المطبوعة. وفي المقابل، توجد دول أخرى لا يتوفر فيها أي شيء تقريباً فيما يخص الكتب الصوتية. لذا، أعتقد أن المشهد العربي يقع في منطقة وسطى بينهما؛ فقبل سنوات، لم يكن هناك شيء يُذكر، ثم بدأت منصات مثل "ستوري تيل" (Storytel) في بناء مكتبات للمحتوى، والآن نرى حركة ونمواً متجدداً. ومن الأمور المهمة للغاية أن "سبوتيفاي" (Spotify) بدأت في توفير الكتب الصوتية في الإمارات والسعودية؛ فالأمر يتقدم تدريجياً، وأرى أيضًا أن الناشرين والجهات الفاعلة الأخرى في مجال الكتب الصوتية حول العالم باتوا يدركون بشكل متزايد أهمية اللغة العربية التي يتحدث بها نحو 400 إلى 450 مليون نسمة من الجمهور العربي؛ لذا أعتقد أن الاهتمام بهذا المجال سيزداد في المستقبل ونحن متفائلون بما هو قادم للسوق خلال الفترة المقبلة. صحيح أن وتيرة التطور ليست سريعة للغاية كما نأمل، لكن المهم أن المسار قد بدأ بالفعل، وهي أخبار جيدة بحد ذاتها.

- هل انتشار الكتب الصوتية عمومًا مرتبط بمعدل أعمار معين أم بموضوعات جذابة صالحة لأن تكون كتب صوتية؟

- أعتقد أن نوعية الكتب ومواضيعها أكثر أهمية من عامل العمر؛ فهذه الأمور تختلف كثيراً باختلاف الأسواق. على سبيل المثال، في دول الشمال (الاسكندنافية)، نجد أن الكتب الواقعية (غير الخيالية) قليلة الانتشار، إذ تهيمن الأعمال الروائية والقصصية على المشهد؛ فالناس هناك يميلون ببساطة إلى الاستماع إلى القصص الجيدة. في المقابل، إذا نظرنا إلى أمريكا اللاتينية أو جنوب أوروبا، نجد أن الكتب الواقعية تحظى بأهمية أكبر - ولا سيما كتب تطوير الذات - لأن الناس لديهم رغبة قوية في التعلم واكتساب المعرفة. لذا، أعتقد أن هذه العوامل تؤثر بشكل كبير على معدلات الاستماع وانتشار الخدمة في السوق.

- ومن الأمور الأساسية لنمو أي سوق، أن يتوافر له كتالوج مناسب من الكتب باللغة المحلية، ولكي ينمو سوق الكتب الصوتية باللغة العربية ويصل إلى أسواق جديدة، نحتاج إلى زيادة عدد الكتب الصوتية العربية، وليس الاعتماد على الترجمات فقط، بل الأهم هو وجود مؤلفين محليين يكتبون بالعربية، وتحويل أعمالهم إلى كتب صوتية، وهنا تأتي أهمية مبادرات مثل Arabookverse، التي تعمل على الربط بين الناشرين والمنصات، وتساعدهم في عمليات الإنتاج وإعداد البيانات الوصفية "Metadata"، وغيرها من العناصر المهمة لتقديم منتجات رقمية بجودة عالية، ومن بينها الكتب الصوتية، لذلك، أرى أن مبادرة مثل Arabookverse مهمة جدًا في العالم العربي في الوقت الحالي، ويمكن أن يكون لها دور أساسي في نمو سوق الكتب الصوتية ووصوله إلى مرحلة أكثر نضجًا.

- ومن ناحية أخرى، أرى أن الترويج مهم كذلك؛ فلا يكفي مجرد توفير الكتب دون الحديث عنها أو التعريف بها. لا بد من استثمار الأموال في حملات تسويقية، وربما عقد شراكات مع شركات الاتصالات. يحتاج الناس إلى رؤية الآخرين وهم يستمعون إلى هذه الكتب. لدينا السويد مثلاً؛ فهي سوق ناضجة للغاية، ومع ذلك، إذا ركبت مترو الأنفاق، ستجد الكثير من الإعلانات للكتب الصوتية؛ وهذا يعني أن الترويج يظل ضرورياً حتى في الأسواق الكبرى التي تنتشر فيها الكتب الصوتية. فبدون الترويج، لن يحدث شيء، حتى لو توفرت قائمة ضخمة من الكتب. إذن، أنت بحاجة إلى مزيج من الترويج وتوفر المحتوى (الكتالوج) لجذب المستمعين. وهناك عامل آخر مهم يتمثل في الراوي (المؤدي الصوتي)؛ فالصوت وأسلوب الإلقاء أمران في غاية الأهمية. الأمر يشبه المطربين؛ فهناك مطربون لا يلحنون الأغاني بأنفسهم، لكن الموسيقى تُنسب إليهم وتُعرف بهم. وبالمثل، قد يرغب بعض المستمعين في سماع الكتاب التالي لنفس الراوي، وليس لغيره؛ وهنا يصبح الراوي عنصراً جديداً ومؤثراً للغاية في تجربة الاستماع للكتاب.

- هل يأخذ الكتاب الصوتي شير من الكتاب المطبوع أم الكتاب الإلكتروني (E-Book)، من المنافس الأقوى له؟

- أعتقد أن الأمر ينطوي على كلا الأمرين؛ فظهور صيغة جديدة يؤثر بالطبع على الصيغ الأخرى، مما قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ "الاستحواذ الداخلي" (أو تآكل حصة الصيغ القديمة). ومع ذلك، وبالنظر إلى السوق السويدية -وهي سوق ناضجة للغاية- نجد أن النتيجة ليست سلبية؛ إذ إن مبيعات الكتب الصوتية، أو الأسواق الجديدة التي تفتحها، تفوق حجم الخسائر في مبيعات الكتب المطبوعة. لذا، يمكن أن تكون المحصلة النهائية إيجابية للجميع، رغم وجود تأثير متبادل بين الصيغ المختلفة. فالقارئ الذي كان يكتفي بالكتاب المطبوع سابقاً، أصبح الآن يجمع بين القراءة والاستماع، فضلًا عن ظهور فئة جديدة من الجمهور - ممن لم يعتادوا قراءة الكتب - باتت تستمع إليها الآن؛ وبذلك نكسب عملاء جدداً يعوضون أي تراجع في الصيغ التقليدية. وحتى الآن، وفي الأسواق الكبرى، لم يكن هذا التداخل بين الصيغ المختلفة للكتب سلبياً، بل ساد نوع من التوازن. ورغم أن الأمور قد تتغير مستقبلاً، إلا أن هذا هو الواقع الحالي.

- هل استخدام المستخدم للكتاب الصوتي يعني بالضرورة أنه كان قارئًا للكتاب المطبوع ثم أصبح مستمعًا للكتاب الصوتي أم أن انتشار نسخة الكتاب الإلكتروني (E-Book) يسهل عملية انتشار الكتب الصوتية؟

- ليس لدي بيانات تحاول إثبات ذلك، لذا لا يسعني سوى التخمين وإبداء الرأي. أعتقد أن الأمر ينبع من كلا الجانبين؛ فهذا هو الفرق الجوهري بين الكتاب الإلكتروني والكتاب المطبوع. بصراحة، يختلف الأمر تماماً من منظور الناشر نظراً لاختلاف التكاليف وآليات التوزيع، ولكن من حيث تجربة القراءة، فالأمر مختلف تماماً؛ إذ تظل بحاجة إلى النص، وبحاجة للجلوس والقراءة، بينما يختلف الأمر كلياً عند الانتقال إلى الوسائط الأخرى؛ فهي تجربة قد تكون أقرب إلى مشاهدة الأفلام منها إلى قراءة كتاب. ولهذا السبب، أرى أن الفجوة كبيرة لدرجة أنها تشمل كلا نمطي القراءة، وأود التأكيد على أن هناك أشخاصاً لم يكونوا يقرؤون على الإطلاق، لكنهم بدأوا في الاستماع.

- حدثنا أكثر عن مهامك كسفير سابق للكتب الصوتية لمعرض فرانكفورت...

- كان الهدف من ذلك هو بناء روابط؛ وتحديداً فيما يتعلق بقطاع الكتب الصوتية في معرض فرانكفورت للكتاب. لقد تم تخصيص مساحة لهذا المجال داخل المعرض بمبادرة من "مجموعة الكتب الصوتية" التابعة للرابطة الألمانية للناشرين وبائعي الكتب (التي تضم مجموعات عمل متخصصة). في البداية، كان التركيز ينصب بشكل أساسي على الناشرين الألمان، لكنهم أرادوا لاحقاً إضفاء طابع دولي على هذا النشاط. لذا، بدؤوا بدعوة مشاركين من خارج ألمانيا، بمن فيهم أنا، وكان الهدف يتمثل ببساطة في الربط بين الأشخاص، والجمع بينهم، والتعريف ببعضهم البعض. على سبيل المثال، إذا كان هناك ناشر من إندونيسيا يبحث عن قنوات توزيع، أقوم بتعريفه بالشخص المناسب؛ ويتم ذلك من خلال اللقاءات المباشرة وجهاً لوجه، وليس عبر رسائل البريد الإلكتروني. إنها عملية تواصل وتفاعل حقيقي - أشبه بـ "دبلوماسية حقيقية بين الأشخاص والأسواق"، تهدف إلى تعزيز الروابط بين العاملين في هذا المجال والترويج لصيغة الكتب الصوتية في أروقة معرض فرانكفورت للكتاب.

- في النهاية وبعيدًا عن الكتب الصوتية، وكونك برازيلي سويدي، نريد أن نطرح عليك قضية أخرى كروية، ماذا لو لعبت البرازيل أمام السويد كفرق منافسة في كأس العالم، أي الفريقين ستشجعه؟

- إنه سؤال مهم فعلًا، خصوصًا أنني حصلت على الجنسية السويدية منذ أربعة أشهر فقط. حسنًا، أعتقد أن الأمر يصبح أوضح بهذه الطريقة؛ إذا لعبت البرازيل والسويد كرة القدم، فسأشجع البرازيل، لكن إذا لعبتا هوكي الجليد، فسأشجع السويد.