يوسف إدوارد
كل الاحترام والتقدير لفيلم "أفواه وأرانب" ولصُنّاعه، ولواحد من العناوين التي بقيت في الذاكرة المصرية بذكائها وخفتها. أما أنا الحقيقية فسأستعير اليوم الوزن فقط لأتحدث عن حكاية أخرى تمامًا، حكاية تبدو في ظاهرها طريفة لكنها عند التأمل تقول شيئًا مؤلمًا عن علاقتنا الحالية بالفن والنجومية: "أشباه وأرانب".
الطبيعي الإنسان الذي يشبه فنانًا مشهورًا كان مادة لطيفة للدهشة والضحك. ونقول له: "إنت شبه فلان أوي، فيبتسم ويأخذ الصورة وربما يقلده لدقائق في جلسة أصدقاء. وكان الأمر ينتهي هنا. أما اليوم فقد أصبح الشبه نفسه مشروعًا مهنيًا ومشروع شهرة أيضًا، ولم يعد السؤال: ماذا يستطيع هذا الشخص أن يقدم؟ ولا هل يمتلك موهبة أو حضورًا أو قدرة على صناعة لحظة فنية؟ أصبح السؤال الأكثر أهمية: يشبه مين؟
وهنا تبدأ الحكاية أن يظهر شخص يشبه فنانًا معروفًا في الملامح فيقرر أن يقلده، ثم يظهر في مناسبة، ثم في فرح ثم في عيد ميلاد، ثم في حفلة ليس لها عنوان، وربما في مناسبة اجتماعية أخرى. ومع الوقت يصبح له جمهور وصفحات وصور وأخبار. وتبدأ المواقع في تقديمه باعتباره خبرًا يستحق النشر، فنقرأ عن "شبيه الفنان الكبير وشبيه الممثل العظيم" أكثر مما نقرأ أحيانًا عن فنان حقيقي يحاول أن يصنع لنفسه مكانًا من خلال موهبته.
والطريف أنني لا أرى المشكلة أصلًا في هؤلاء الأشخاص. فمن حق أي إنسان أن يعمل بما يستطيع وأن يقدم فقرة ترفيهية، وأن يستثمر في ملامحه أو في قدرته على التقليد. المشكلة في اللحظة التي نتعامل فيها نحن مع الشبه باعتباره موهبة ونمنحه قيمة تتجاوز حجمه الطبيعي، ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا أصبح المشهد الفني فقيرًا إلى هذا الحد؟
نحن أمام ظاهرة تقول الكثير عن الجمهور قبل أن تقول شيئًا عن أصحابها. الجمهور الذي كان يبحث عن صوت جديد ووجه جديد وموهبة جديدة أصبح أحيانًا سعيدًا بأن يرى نسخة من شيء يعرفه مسبقًا. وكأن المفاجأة لم تعد مطلوبة وكأن الإبداع أصبح مخاطرة غير ضرورية. يكفي أن تأتي لنا بوجه مألوف أو صوت مألوف أو حركة مألوفة، وسوف نتولى نحن بقية المهمة: المتابعة والتصوير والنشر وصناعة الشهرة.
وهنا نسقط جميعا في وسائل التواصل الاجتماعي. صورة لشخص يشبه فنانًا شهيرًا قد تحقق انتشارًا أسرع من خبر عن فنان شاب أمضى سنوات يتعلم ويجتهد ويبحث عن فرصة. لماذا؟ لأننا أصبحنا نعيش في سباق الانتباه وما يلفت العين بسرعة يصبح مادة جاهزة للنشر. "شاهد شبيه الفنان فلان" عنوان أسهل وأسرع وأكثر قابلية للتداول من الحديث عن تجربة فنية جديدة تحتاج إلى قراءة وفهم.
والأكثر غرابة أن ظاهرة الأشباه لم تعد محصورة في فقرة فنية. لقد تسللت إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية نفسها، وأصبح من الممكن أن تجد شبيهًا لفنان في فرح أو مناسبة أو احتفال، وكأننا لا نكتفي بأن نستدعي الفنان الحقيقي من خلال أفلامه وأغانيه، وإنما نريد نسخة بشرية منه تقف أمامنا وتمنح المناسبة جرعة جاهزة من النوستالجيا. وأحيانًا أشعر أننا لا نستدعي الفنان بقدر ما نستدعي ذكرياتنا عنه في صورة شخص آخر.
لكن خلف هذه الحالة توجد مسألة أكثر جدية. عندما يصبح الشبه أسهل من الابتكار وأسرع من الموهبة وأكثر قابلية للتسويق من التجربة الجديدة، فإننا لا نتحدث فقط عن ظاهرة اجتماعية لطيفة وإنما عن مؤشر على حالة عامة في الذوق الفني. الفن لا يموت فقط عندما تختفي الموهبة وإنما أيضًا عندما يتوقف الجمهور عن طلبها.
والجمهور هنا ليس متهمًا وحده وطبيعة هذا النوع من الإعلام ليس متهمًا وحده والشبيه ليس متهمًا أصلًا. نحن جميعًا داخل دائرة واحدة. هناك من يقدم ومن يدفع ومن يصور ومن ينشر والأهم من يتابع، وفي النهاية تتكون قيمة لم تكن موجودة في البداية. إنها منظومة صغيرة لكنها تكشف شيئًا كبيرًا: أننا أحيانًا نفضل أن نضحك على شيء نعرفه بدل أن نكتشف شيئًا لا نعرفه.
ولذلك فإن قصة أشباه الفنانين ليست حكاية عن أشخاص يشبهون الفنانين بقدر ما هي حكاية عن مجتمع أصبح أحيانًا يكتفي بالشبه. فالموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى أن تقول لنا: "أنا شبه فلان". بالعكس، قيمتها تبدأ عندما نستطيع أن نقول: "هذا الشخص يشبه نفسه". وربما تكون المشكلة الحقيقية أننا في وقت ما فقدنا فضولنا تجاه الجديد، فأصبحنا نبحث عن الفنان الذي نعرفه حتى عندما لا يكون هو الفنان.
اتصور أنه ليس عيبًا أن تكون شبيهًا بفنان تحبه وأن تقلده، وليس عيبًا حتى أن تكسب من هذا التقليد. العيب أن نخلط بين الشبه والموهبة والشهرة والقيمة وبين انتشار الصورة وحضور الفنان الحقيقي.