محمد بركة يمزج بين " المحرمات الثلاث" في روايته الجديدة "عرش على الماء"

يصنف النقاد الكاتب محمد بركة ضمن أبرز أصوات التجديد على الساحة الروائية حيث تتسم أعماله بعدة سمات أبرزها الحس المشاغب و السير في حقل ألغام بوعي ومسئولية وكذلك مساءلة الثوابت الواهية و المسلمات التي نظن أنها بديهية و هى ليست كذلك فضلا عن فضح القداسة المزيفة التي نخلعها دون مبرر على أشخاص ما. حدث ذلك في روايته ذائعة الصيت " حانة الست" التي تروى " القصة المحجوبة للسيدة أم كلثوم" على لسان كوكب الشرق. وفي روايته الجديدة " عرش على الماء" الصادرة مؤخرا في القاهرة عن دار " أقلام عربية" يعود بركة إلى هوايته في ممارسة الشغب و الإمساك بجمر النار.

نرشح لك: بمقدمة لـ أحمد أمين.. صدور "أسطورة أحمد خالد توفيق" لـ خلف جابر بمعرض الكتاب


تدور الأحداث حول دراما مشوقة وعجائبية لشخصية تكاد تكون أسطورية هى شخصية " مشهور الوحش" ، كداعية دينية يسيىء استخدام مكانته الروحية في قلوب مريديه وجمهوره ليظهر وجها نهما للمال و النساء و السلطة والوجاهة الاجتماعية كما أنه يتورط في أدوار سياسية مشبوهة ربما تضعه ضمن خونة الأوطان. تتضمن الحبكة الأساسية للعمل " التابوهات" ، أو المحرمات ، الثلاث: الدين و الجنس و السياسة في ضفيرة واحدة مصاغة برهافة ووعي جمالي يعتمد التلميح بديلا للتصريح على نحو يجعل الجرأة ذات طابع فني و فكري في المقام الأول.


يعود النص إلى طفولة " الوحش" وكيف يكتشف سحر تأثير الزي الديني على المصريين لكنه يتعرض إلى طعنة غادرة حين يجد حبيبته تخونه جسديا مع الغرباء ما يصنع أزمة نفسية ثقيلة الوطأة تحدد علاقته بالنساء طوال حياته. وتكشف الرواية عن جذور التطرف الديني في مصر ومحاولات تغيير هوية المصريين و توجيه بوصلتهم من التسامح إلى التشدد تحت مسميات واهية وشعارات مختلفة ترفع شعار " القداسة المزيفة".

المدهش في تلك الشخصية أن القارىء لا يستطيع اتخاذ موقف محدد ونهائي منها للوهلة الأولى فهى نموذج إنساني مكتوب برهافة على نحو يكشف تناقضات الرجل وصراعاته الداخلية كشخص يطمع في ملامسة سماء التصوف و التجليات لكنه قدميه تغوصان في وحل الشهوة والماديات.

تقع الرواية في 321 صفحة تتوزع على 40 " ابتهالا " أو فصلا حيث يستهل المؤلف كل فصل بابتهال جديد على لسان الشخصية الرئيسية . و اللافت هنا أن الابتهالات لا تكشف عن حالة من السكينة و الإيمان و الزهد بل تبوح بما يعتري البطل من رغبات دنيوية تؤرقه كما في الابتهال الثاني " يا من جعلت الرعد همسك والبرق عصاك، أسألك بكل أدب وتوقير: لماذا خلقت قلبي شمعة واهنة تتقاذفها رياح النسوة؟" أو الابتهال السادس "اللهم بحق اسمك الأعظم الذي إذا دُعيت به أجبت، أسألك أن تجعل لي من اسمي نصيبًا فيعرفني القوم كما يعرفون سعد زغلول ومنيرة المهدية".

ومن أجواء الرواية نقرأ :

"دانت لي فاكهة الدنيا بما رحُبت، لكني ما زلت أسير التفاحة الأولى.

لا أعرف حتى الآن كيف لم يتوقف قلبي عن الخفقان حين رأيتها قبل خمسين عامًا تـئن وهى تحت عرقه و لهاثه؟ كيف ظلت رئتاي تعملان وأنا أرى أثر أصابع "الشحات" بقعًا وردية تتناثر بامتداد دروب الجسد ومنحنياته؟ بل كيف جرؤت عيني فوافقت على استقبال الضوء المنعكس على صدرها وتمريره عبر القرنية ثم الحدقة لأبصره في فجورهالبهي يهتز بكل براءة؟ كانت "ست الدار" نور عيني وأكسچين أيامي الرتيبة المملة، الوعد المؤجل في مملكة الذكورة المقموعة، فلماذا قررت أن تبيع وتخون، ومع من؟ غريمي التاريخي، ابن عين أعيان بلدتنا ومنافسي الأكبر على عرش الوجاهة الريفية.

القرية خط عابر لا يُرى بالعين على خرائط النسيان. يحدها شمالًا عمدة يمثل السلطة المحلية المتواطئة مع الإنجليز ويحدها جنوبًا "السعيد"الذي يمتلك ثلاثة فدادين وسبعة عجول وامرأة جميلة تباهي نساءنا بـ "كردان" ذهبي . بينهما تنام بوداعة غرفة فسيحة مبنية من الطين ومعرشة بالقش هي المقر الرسمي للتعليم في ذاك الزمن البعيد.

سألت ذات يوم لماذا سُميت قريتنا بهذا الاسم العجيب "رملة العربان"، فلا نحن بقعة صحراوية ولا أجدادنا من البدو، فاحتقن وجهه وكأني أتيتُ أكبر الكبائر:

- بقى يا ولد أمك لا تزال تنظف مؤخرتك واسمنا لا يعجبك؟

أعرفكم على شيخ الكُتاب: المندوب السامي لقتل الشغف في قلوبنا الخضراء وقمع السؤال في أدمغتنا التي لا تزال طرية كصلصال في يد نحات مغرور يظن أن بمقدوره مزاحمة الله في صفة "الخالق".