الكيل بمكيالين وأكثر: الفصل الأول من كتاب كل شيء إلّا الحقيقة

عمرو منير دهب

مَن مِنّا لا يكيل بمكيالين؟ الكلّ يفعل، تماماً مثلما أن الكلّ يكذب بطريقة أو أخرى وبحدود متفاوتة من شخص إلى آخر، ولكن في النهاية بما يجعل الكذب قدَراً يصيب الجميع مهما يَدَّعِ البعضُ التطهّرَ الكامل منه إلى حدّ الإصابة بالفزع لمجرد التفكير في إمكانية أن تمسّه تهمة اجتراح كذبة “بيضاء”.. ولن أبادر إلى القول بأن الكذب ليس له لون، فهو على العكس أشكالٌ وألوان، ولكن ما يجب تأكيده هو أن الأبيض ليس أخف ألوان الكذب وطأةً بالضرورة.

الكل يكذب، ليس بالضرورة على طريقة الكتاب الذي يحمل الاسم ذاته (EVERYBODY LIES) والذي أشرنا إليه أكثر من مرة في سياق منفصل، فكتاب سيث ستيفنز – دافيدوتس SETH STEPHENS – DAVIDOWITZ ، الترجمة العربية صادرة عن الدار العربية للعلوم ببيروت في نوفمبر 2018، عن “البيانات الضخمة والبيانات الحديثة وقدرة الإنترنت على اكتشاف الخفايا”، لكن الكتاب على كل حال كما أوردنا تحت عنوان “لا مرجعية تسلم من الهوى” في كتاب “جينات ثورية” يُعتبر “بالغ الدلالة على أن الحكم المطلق على الأشياء مستحيل، ليس بسبب اختلاف ميول الناس ومرجعيّاتهم فحسب، وليس فقط كذلك بسبب أن الناس لا تقول الحقيقة في استطلاعات الرأي، فالأمر بالإبحار في تفاصيل الدراسة المعمقة عن البيانات التي شملها الكتاب يبدو معقداً فوق ما نتصوّر، فالبيانات دوماً مضلّلة إذا خضعت لامتحان الحق والخير والجمال، وهي شديدة المراوغة إذا أخضعناها لاختبار الحقيقة بصفة عامة، وإن يكن الأشد إدهاشاً في ما يفصح عنه الكتاب أنه حتى بيانات قوقل المستخلصة من عمليات البحث كثيراً ما تبدو مخالفة أو حتى مناقضة لتصوّراتنا عن الرأي العام – الذي قد يكون مستخلصاً عن قوقل أيضاً – بخصوص هذه القضية وتلك”.

نرشح لك: عمرو منير دهب يكتب: الجدارة بالشهرة.. الفصل الأخير من كتاب لوغاريتمات الشهرة

الكيل بمكيالين ليس بعيداً عن الكذب، وكما أن الكذب ليس جريمة نرتكبها دوماً عن سبق إصرار وترصّد، فإن الكيل بمكيالين ليس دوماً خيانة متعمّدة نرتكبها في حق مبدأ أو جماعة، فالأغلب أننا نحتفظ في روعنا بأكثر من مكيال لا لنزن أموراً مختلفة بالضرورة وإنما لنقيّم الأشياء أو الأفكار نفسها وهي تُعرض علينا من ناس مختلفين في مواقف متباينة، والأهم أننا نفعل ذلك في الغالب بصورة تلقائية وببراءة تبعث على الحيرة.

بالعودة إلى كتاب “الكل يكذب”، نقرأ للمؤلف: “لماذا يُضلل الناس الاستبيانات السرية؟ سؤالٌ طرحتُه على روجر تورانجو الذي يعمل أستاذ الأبحاث الفخري في جامعة ميشيغان، وربما أول خبير في العالم حول الانحياز للمقبول اجتماعياً، وقد أجاب بأن ضعفنا أمام “الأكاذيب البيضاء” جزءٌ مهم من المشكلة، ويقول إن: الناس يقضون ثلث الوقت تقريباً وهم يكذبون في الحياة الحقيقية وتنتقل عاداتهم معهم في إجاباتهم على الاستبيانات”. يواصل سيث ستيفنز – دافيدوتس: “ثم عندنا تلك العادة الغريبة التي أحياناً ما تصاحبنا وهي الكذب على أنفسنا، حيث يقول (روجر تورانجو): هناك شيء من الإحجام عن الاعتراف لنفسك، ولنقل، إنك كنت تلميذاً فاشلاً”، يكمل ستيفنز – دافيدوتس: “ربما كان الكذب على النفس هو السبب وراء اعتقاد الكثيرين بأن مستوياتهم فوق المتوسط… وهناك عامل آخر يوجه أكاذيبنا في الاستبيانات، وهو رغبتُنا الجامحة في ترك انطباع حسن على من يُجري معنا المقابلة”.

الكيل بمكيالين يحدث لكل تلك الأسباب العميقة ابتداءً، وهو بصورة أوسع وأوضح وأكثر مباشرة يحدث بسبب اختلافنا في تقدير الأمر نفسه ونحن ننظر إليه من موقعين مختلفين أو أكثر بحسب مصلحتنا المادية أو المعنوية كل مرة، سواءٌ أشعرنا بالاختلاف (إلى حدّ التناقض أحياناً) مع أنفسنا أم حدث الأمر بتلقائية فائقة انطلاقاً من دوافع لاشعورية متحفزة باستمرار للدفاع عن مصالحنا الذاتية ماديةً كانت أم معنوية مهما يكن الموقف الذي نجد أنفسنا إزاءه.

يجب الانتباه إلى أن مآزق الكيل بمكيالين لا تقتصر علينا (أفراداً وجماعاتٍ) ونحن ننتقل في تقييم الأمور من حالة إلى نقيضها، فمن عواقب الكيل بمكيالين ما ينتج عن اتخاذ موقفين متصارعين من قبل فئتين مختلفتين بخصوص مسألة واحدة رجوعاً إلى مصلحة كل طائفة لا استناداً إلى رأي مطلق أو مصلحة عامة، ما ينتج عنه تبادل في المواقف بسبب تبادل المواقع ليس إلّا، وأبرز الأمثلة على ذلك تقلُّب الأحزاب السياسية في الآراء والسلوك خلال تأرجحها بين كراسي الحكم ومنابر المعارضة. يذكر سيث ستيفنز – دافيدوتس أنه في “بعض الأحيان، يستخدم الديموقراطيون والجمهوريون صيغاً مختلفة لوصف مفهوم واحد، ففي عام 2005، حاول الجمهوريون تخفيض ضريبة الميراث الفيدرالية، فاعتادوا على تسميتها “ضريبة الموت” (لتبدو وكأنها مفروضة قسراً على المتوفى حديثاً)، وأما الديموقراطيون فوصفوها بأنها “ضريبة عقارية” (لتبدو وكأنها ضريبة تؤخذ من الأثرياء)، وفي سياق مشابه، حاول الجمهوريون نقل الضمان الاجتماعي إلى حسابات التقاعد الخاصة بالأفراد، وهذا يعني “الإصلاح” بالنسبة للجمهوريين، ولكنه عند الديموقراطيين يعني “الخصخصة”، لتبدو خطيرة للغاية”.

وكنّا قد ذكرنا في سياق مستقلّ أن رينيه ويليك Rene Wellek وأوستين وارن Austin Warren قد أشارا في كتابهما “نظرية الأدب” Theory of Literature ، الترجمة العربية للدكتور عادل سلامة عن دار المريخ للنشر بالرياض عام 1992، إلى أن “ميلتون Milton، الذي كان متحرراً في السياسة وفي الدين، كان محافظاً في الشعر، تسيطر عليه كما أوضح و. ب. كير W. P. Ker الفكرة المجردة عن الملحمة، فقد كان يعلم ماهية القواعد التي تضبط الملحمة الشعرية الحقة، وتلك التي تضبط القصيدة الدرامية، وكذلك الغنائية، ولكنه كان يدرك أيضاً كيف يلائم ويمط، ويغير في الأشكال الكلاسيكية، كيف يضفي الصفة المسيحية والملتونية على الأنيادة Aeneid ، وفي “شمشون معذباً” Samson Agonistes عرف كيف يقص حكاية شخصية من خلال قصة شعبية عبرية تعالج كأنها مأساة إغريقية”.

ميلتون إذن يكيل بمكيالين على صعيد المحافظة والتحرر، فقد كان الشاعر الإنجليزي العظيم يميل إلى التحرر في السياسة وفي الدين وإلى المحافظة في الشعر كما ألمح ويليك ووارن، وإذا كان تحرره ينطلق من مبادئ عقيدية وفكرية فإن محافظته تبدو موقفاً فنيّاً لا أكثر.. ولكن أليس من الصعب تمرير الكيل بمكيالين مهما تكن المبررات؟ فرحابة الأفق جديرة بالتقدير على كل صعيد سواءٌ أكان ذلك الصعيد فنيّاً خالصاً أم مبدئياً صرفاً في الدين أو في السياسة، غير أنه من الصعب (المستحيل؟) كذلك أن نجد أيّاً من الناس وهو يحمل مكيالاً واحداً يزن به رأيه في كل المواقف على حدّ سواء، مهما تكن أحلامنا ودعاوانا عن ضرورة العدل في مختلف صعد الحياة.

الحرية مفهوم لا يفترض أن يتجزّأ، لكن الواقع يكشف أنه من المستحيل أن يستوعب أيٌّ من الناس الحرية بذات القدر من الانفتاح في كل المواقف.. هكذا إذن ليس من المستغرب أن نقع على داعية شديد الحماس للحريات الدينية والسياسية من المشتغلين بالأدب على سبيل المثال يتبنّى مواقف شديدة الصرامة في إبداع وتقييم الأعمال الأدبية حتى يوشك أن يرى الأدب من خلال مذهب فنّي واحد لا غير.

هل من حق الفكر أن يحاسب أديباً يتخذ مواقف شديدة الحدّة والحسم في الكتابة لكنه يعمد إلى استجابات منفتحة ومتحررة بوضوح في الحياة بصفة عامة، أو العكس، وذلك بتهمة الكيل بمكيالين أم أن تلك من مهام محاكم القيم الإنسانية العريضة؟ وهل الكيل بمكيالين جريمة في الأساس على مستوى المشاعر والطباع مثلما يحسبه الناس جريمة على مستوى المبادئ والأفكار؟ الأرجح أننا نمضي على كل صعيد في الحياة سادرين في كَيْلنا بمكيالين أكثر مما نتوقف لمواجهة أسئلة محرجة لأفكارنا ومشاعرنا من ذلك القبيل.

للتواصل مع الكاتب من خلال الإيميل التالي ([email protected])