تفاصيل تنشر لأول مرة.. 40 عاما على "سواق الأتوبيس"

سيد محمود
سواق الأتوبيس
40 عاما منذ أن تم تصوير واحد من أهم أفلام السينما المصرية وثامن أهم فيلم في قائمة المائة فيلم طبقا لترشيحات النقاد بعد أفلام “العزيمة، والأرض، والمومياء، وباب الحديد، والحرام، شباب امرأة، وبداية ونهاية” ورقم 33 في قائمة أهم مائة فيلم عربي.

سواق الأتوبيس

لم يكن المخرج عاطف الطيب قد فاق حينما انتهى لقاؤه بالمخرج محمد خان وطلب منه أن يخرج هو قصة فيلم كتبها خان في صفحات معدودة بعنوان “حطمت قيودي” ثم تم تعديله إلى “سائق الأتوبيس”، من صدمة فيلمه الأول “الغيرة القاتلة” الذي قام ببطولته نور الشريف ويحيى الفخراني، نورا، وسعاد نصر، قصة وسيناريو وحوار، وصفي درويش، ومقتبس عن رواية عطيل لشكسبير حيث لم يوفق تجاريا برغم كل العناصر التي توافرت ليقدم به “الطيب” نفسه كمخرج للأفلام الروائية.

سواق الأتوبيس سواق الأتوبيس سواق الأتوبيس

لم يتردد “الطيب” في قبول هدية صديقه محمد خان من منطلق أن قصة الفيلم “مصرية خالصة، ويتمحور موضوعها حول تبعات ما بعد حرب 1973، وقد لا يتقبلها الجمهور والنقاد من مخرج أصوله باكستانية،- هكذا قال خان عنه- ناهيك عن مخاوفه من رمزية الفيلم وما قد يصل إلى البعض من تصور بأن الورشة تمثل صورة مصغرة لما يحدث في مصر أنذاك.

نرشح لك: “مثل الأفلام الساذجة”: فتاة عادية.. في حالها معظم الوقت!


بعد لقاء جمع خان، الطيب، بشير الديك، سعيد شيمي، تم بلورة الفكرة، وبدأت الترشيحات، واختيار أماكن التصوير التي لم تبتعد كثيرا عن مسكن أسرة عاطف الطيب ونشأته في حي بولاق، اختار ورشة النجارة في شارع فيصل “هدمت وتحولت إلى مبنى سكني حاليا “.

بعد رحيل الطيب بيوم قمت بزيارة للمكان، وسألت صاحب المنزل فأكد أنه بعد تصوير الفيلم بعامين تم هدم الورشة لأنها كانت قد تصدعت حوائطها، ولم يفكر صاحب الأرض في بناء ورش أخرى بالحي، لكنهم يتذكرون أيام التصوير وكيف كان الفنان الكبير عماد حمدي يصور مشاهده وهو جالس على كرسي حيث كان قد كبر في السن، ويعد “سواق الأتوبيس” من آخر أفلامه، وظل النجم نور الشريف يتابعه وهو يمثل الشخصية، بل تدخل بنفسه لطرد أحد مساعدي الإخراج عندما تحدث مع الفنان الكبير عماد حمدي بشكل رآه “الشريف” غير لائق.

قبل التصوير وقبل ترشيح نور الشريف فكر الثلاثة “الطيب وخان والديك” في عادل إمام لكنه اعتذر عن تقديم شخصية سائق تاكسي دون أن يقرأ السيناريو، برر اعتذاره بأن البطل “سلبي”، ثم عرض السيناريو على نور الشريف، الذي لم يتردد وقام المخرج باستكمال الترشيحات، ميرفت أمين، عماد حمدي، حسن حسني، ووحيد سيف، نبيلة السيد، زهرة، وعبده وحمدي الوزير، ومحمد كامل.

وعلى ترابيزة البروفات وقبل التصوير اقترحت نبيلة السيد على عاطف الطيب تسمية الفيلم “سواق الأتوبيس”، وأعجب بالاسم كونه شعبيا وجماهيريا أكثر من “سائق الأتوبيس”، ودارت كاميرا سعيد شيمي، مع تفاؤل كبير من الجميع أن يعوض الفيلم ما حدث من إخفاقات على المستوى النفسي للطيب وشيمي، ونور الشريف من “الغيرة القاتلة” برغم إشادة كثير من النقاد به.

حملت قصة فيلم “سواق الأتوبيس” من التأويلات، وبخاصة تناوله لفترة مهمة من تاريخ مصر، حيث تدور أحداثه حول «حسن» الذي يعمل سائقا أتوبيس نقل عام نهارا وسائقا لسيارة أجرة “تاكسي” ليلا. وهو الأخ الوحيد لخمس بنات، والده عماد حمدي يمتلك ورشة نجارة وبسبب إهمال زوج أخته الذي يدير الورشة تحجز الضرائب عليها، وتعرض للبيع في مزاد علني، يحاول حسن إنقاذ الورشة من البيع لأنها تمثل سمعة والده، فيذهب إلى أخواته البنات وأزواجهن ليساعدوه في سد الدين وإنقاذ الورشة لكن الكل يطمع ويستغل الحاجة وحالة الضيق.

يصور أيضا الفيلم الحالة الاجتماعية لمتجمع ما بعد حرب أكتوبر 1973 من تغيير يطرأ على الشخصية المصرية وحالة الأصدقاء الذين دخلوا في حالة عزلة بعدها، فأصبح كل فرد في الأسرة يبحث عن الثراء على طريقته الخاصة، ولم يعد أحد من أفراد أسرة “حسن” يسعى لخدمة الأب والأم والأخت سواه، حتى الزوجة ميرفت أمين، ترفض مساعدته لأسرته عندما أقدم على بيع التاكسي لمحاول الحفاظ على ورشة الأب التي هي الأمل في خروجه من حالته النفسية والمرضية.

كان نور الشريف في هذه الفترة هو النجم الأكثر حضورا، ويمكن القول بأنه الممثل رقم واحد المطلوب لدى المنتجين والمخرجين أيضا، فقبل تصويره لفيلم “سواق الأتوبيس” وفي عام 1981 قدم في عام واحد “لن أغفر أبدا، إعدام طالب ثانوي، الشيطان يعظ، أهل القمة، “فتوات بولاق”.

وبعد “سواق الأتوبيس” تهافت عليه المنتجون لدرجة أنه قدم عشرة أعمال، منها “حدوتة مصرية، والعار، الطاووس، أرزاق يا دنيا، ومسلسلات أخرى منها “أديب، ورجل بلا ماضي، وعاشت مرتين”.

أسهم نجاح فيلم “سواق الأتوبيس” في تغيير أفكار كثير من المنتجين، فبدأت موجة من الأعمال الواقعية التي تهتم بصورة الإنسان المصري وواقعه، والتي كانت موجودة ولكن ليس مع كل المنتجين ولا المخرجين، قدمها على بدرخان في “أهل القمة” بنفس الروح التي طرح بها عاطف الطيب “سواق الأتوبيس”.

شعر الطيب بأن الحياة قد ابتسمت له فبدأ يرسم لنفسه مسارا مختلفا عن بقية المخرجين، فهو المخرج الذي عمل مساعدًا للإخراج مع شادي عبد السلام في فيلم “جيوش الشمس” عام 1973، ومع يوسف شاهين في “إسكندرية ليه” 1979، ومع محمد شبل في فيلم “أنياب” 1981.

أصبح نجاح “سواق الأتوبيس” وما يحققه من جوائز في معظم المهرجانات حدثا سينمائيا مهما، حصد عشرات الجوائز، فاز بجائزة التمثيل الذهبية لنور الشريف في مهرجان نيودلهي السينمائي الدولي، وجائزتي العمل الأول للمخرج عاطف الطيب من مهرجان قرطاج، والسيف الفضي من مهرجان دمشق، وعلى معظم جوائز مهرجان جمعية الفيلم السنوي العاشر “٨ جوائز” في عام ١٩٨٣، بالإضافة إلى جائزة أحسن فيلم وجائزة الجمهور، وجوائز أخرى من مهرجانات محلية وعربية.