عمرو منير دهب يكتب: مصر القبيلة

عمرو منير دهب

القبيلة من أقدم الكيانات، إن لم تكن أقدمها على الإطلاق، التي حفظت تماسك المجتمعات على مر العصور القديمة، وذلك بالطبع باختلاف طبيعة التكوين والتقاليد القبلية مع اختلاف المرجعيات الإثنية والاجتماعية والعقائدية لكل مجتمع، وإن تكن روح القبيلة تسري بالنمط نفسه كل مرة رغم اختلاف المرجعيات المشار إليها وعلى مرّ العصور.

نرشح لك: عمرو منير دهب يكتب: خدونا بالصوت وبالشغل

الأدعى إلى الوقوف عنده أن القبيلة قد حافظت على وجودها التقليدي في المجتمعات الحديثة، وإنْ بأشكال ودرجات متفاوتة. فقد تراوح ذلك الوجود بين أشكال ترجع إلى مئات بل آلاف السنين دون تغيير كما في بعض مناطق في أمريكا الجنوبية وإفريقيا وأستراليا وغينيا الجديدة على سبيل المثال، وبين أشكال لمجموعات قبلية أخرى تعيش على حواشي مجتمعات مدينيّة في دول حديثة كما في المجتمعات البدوية بأشكالها المختلفة في العديد من الدول على امتداد العالم، وعالمنا العربي تحديداً لا يخلو من النماذج البارزة في هذا السياق. ففي الأردن مثلاً مجتمعات تتداول الحياة الحضرية على أرفع المعايير المدينيّة الحديثة في عمّان والعديد من المدن وحتى القرى المترامية على أنحاء البلاد، في حين تمارس الكثير من القبائل هناك حياتها البدوية كما كانت لمئات السنوات ولا تمانع من إلحاق أبنائها بالتعليم النظامي لبضعة أشهر قليلة من العام حيث يتاح لها أن تستقر في نمط حياة لا يزال يتخذ من الترحال سعياً خلف الماء والكلأ أساساً له، وذلك فضلاً عن “دستور البادية” الذي لا يزال يحظى في ذلك البلد العريق بحضور وتقدير منقطعَي النظير في غضون الأعراف والتقاليد بوصفها مصدراً اجتماعياً مما يستعان به في تشكيل واستكمال قوانين الدولة وليس بما يمكن أن يعتبر خصماً عليها بالضرورة.

الأمر في السودان ربما بدا أكثر خصوصية، فقد ذهبت في “جينات سودانية” إلى أن “القرية هي أقصى ما وصل إليه المجتمع الرعوي – أو أحبَّ أن يصل – من حدود الأخذ بأسباب الحضارة، وهناك في القرية وقفت منذ زمان طويل حدودُ المغامرة الرعوية السودانية في تجربة صور العيش الحضري، حتى إن الروح الرعوية عندما دلفت لاحقاً إلى المدينة – الأرجح أنها دُفعت إليها دفعاً – آثرت أن تستمسك بصورة العيش الحضري قروياً في شكله البسيط فقاومت ما وسعتها المقاومةُ – وقد وسعتها طويلاً – أية أشكال معقدة للعيش في المدينة بحيث بدت الأخيرة في المجتمع السوداني أقرب إلى شكل القرية الكبيرة”. وتفصيل الحالة السودانية، الغنية على هذا الصعيد والمغرية بقراءة تداعياته الملهمة بالتنقيب والبحث، متاح في الكتاب المشار إليه وغيره من الكتب مما تناولت عبره الشخصية السودانية.

الجزيرة العربية حالة بالغة الفرادة بدورها في هذا السياق، فالتكوين القبلي لم يكفل فحسب لمجتمعاتها حياة متماسكة متصلة عبر القرون، بل امتدّ ذلك التكوين بظلاله ليشمل تأثيره الطاغي النقلات الاجتماعية الحادة والطفرات الاقتصادية العظيمة وما تبعها من تغيّرات على كافة الأصعدة في حياة الخليج العربي. الظاهرة الفريدة أن القبيلة في الخليج لم تفقد تأثيرها الاجتماعي – بكل تداعياته التقليدية – بأي قدر يُذكر رغم انغماس الخليج في أنماط الحياة الحضارية وفق أرفع التجليات الحداثية بما فاق في كثير من الأحيان كثيراً مما سبقه من الدول على صعيد الحضارات المدينيّة على المستويات العربية والإقليمية وحتى العالمية، وبما لا يخلو بطبيعة الحال من مفارقات عظيمة، بعضها إيجابي وبعضها لا يزال يشكّل تحدّياً كبيراً أمام فئات المجتمعات الخليجية كافة، وباختلاف ملحوظ نسبةً إلى طبيعة كل مجتمع وإلى طبيعة التغيّرات التي تشترك جميعاً في كونها دراماتيكية ومتواصلة.

بالنسبة إلى مصر فإنها تواصل خصوصيتها الفريدة حتى على هذا الصعيد، فروح الأمة الواحدة – بالتداعيات الاجتماعية وحتى السياسية للتعبير – قد انتظمت المصريين منذ القدم وواصلت انتظامها على مرّ العصور بتباينات مستندة بطبيعة الحال إلى أشكال الكيانات المكوّنة للدولة المصرية في كل عصر، وهي كما رأينا في أكثر من مقام كيانات مختلفة ومتداخلة، بعضها أجنبي وبعضها محلي صرف.

بتجاوز مغامرة محاولات إصدار حكم شامل أو بضعة أحكام متّسقة على مرّ القرون، واكتفاء بقراءة فترة حديثة لا تتعدى بدايات القرن العشرين وإلى الآن، لن يصعب القول بأن مصر واحدة من أبرز تجليات اتساق روح الأمة الواحدة بالنسبة لدولة معقّدة التكوين الحضاري وموغلة في روحها المدينيّة بما يتجاوز أشكال العيش البدوي بوصفها مؤثراً بارزاً في تكوين المجتمع وليست فقط مظهراً مكمّلاً لأنماط الحياة كما تتبدّى في إطلالة فلكلورية احتفالية من أي قبيل.

لم تخلُ مصر حتى اللحظة من التحدّيات التي يمكن أن تواجه مفهوم الأمة الواحدة كاملة الاتساق، الأمر الذي لا تسلم منه أكبر وأرسخ الدول الحديثة على مستوى العالم، وهي تحديات من قبيل طموح بعض الأعراق إلى هوية ثقافية مستقلة وإنْ ضمن الإطار المصري الجامع، أو اعتداد مناطق بعينها بأهمية وتأثير العائلة أو القبيلة بالمفهوم التقليدي، أو حتى على شكل مجتمعات عريضة تحيا وفق أنماط العيش البدوي، كل ذلك على امتداد مناطق ومجتمعات مختلفة في البلاد.

اللافت في خصوصية مصر على هذا الصعيد لا يكمن فقط في أن كل تلك التحديات لم تعصف بروح الأمة الواحدة، بل في أن روح القبيلة قد انتظمت المصريين ابتداءً ولكن في صورة فريدة لمجتمع حضري بامتياز وموغل في استيعابه لمفهوم المؤسسة في إطار تكوين الدولة الحديثة، وذلك بعيداً عن الإشكاليات التي تواجه دولة المؤسسات بالنظر إلى تحديات أخرى لا تتعلق بروح الأمة الواحدة قدر ما تتعلق بعراقيل مرتبطة بمواجهة أهمية التقدير المطلق لقيمة العمل وضرورة الانشغال بالمصلحة الجماعية مقابل المصالح الشخصية العابرة، وغير ذلك بتباينات ملحوظة عند القياس على الصعيد الإقليمي وحتى العالمي.

في ضوء ما سبق، بل برغم كثير مما سبق، تجلّت فرادة مصر في أن روح القبيلة – المتمثلة في القلب الواحد والإيمان المطلق بالمصير المشترك وشدة الانتماء والحماس الزائد – قد انتظمت المصريين الذين ينحدرون من مرجعيات مختلفة، وذلك بما يشبه ما يجمع أبناء القبيلة الواحدة من المشاعر والدوافع في مجتمع بدوي صرف. وللمفارقة، فإن تلك الروح لم تسلم من معظم التداعيات التي تشمل أي مجتمع بدوي بطبيعة تكوينه متمثلة في التعصّب التامّ للقبيلة بعيداً عن أية اعتبارات للتقييم الموضوعي لطبيعة المواجهة أو قدرات الخصم المنافس. وفي الحالة المصرية الفريدة هذه، فإن الشخصية المصرية عموماً لا تجهل قدرات الخصوم المنافسين في أي سجال قدرَ ما تسعى إلى السجال بروح لا ترضى بالهزيمة حتى عندما تكون هي الطرف الأضعف في المواجهة.

تلك إذن هي خصوصية “مصر القبيلة”، وبغض النظر عن أي تقييم من جهة المبادئ والاعتبارات المطلقة، بقدر ما يجوز الحديث عن المطلق، فإن ثقة الشخصية المصرية منقطعة النظير في قدراتها وشغفها العظيم بالاكتساح والصعود هما ما حقق ما دان لها من مكانة على الصعيدين العربي والإقليمي تحديداً، وهما أيضاً ما أعانها على الاحتفاظ بقدر واضح من بريق ماضيها الساحر والعريق أمام أنظار العالم.