كل الشهور يوليو.. الحقيقة بين يديك

أحمد عليمي

إلى الذين يبحثون عن الحقيقة: إنها تبحث عنكم.

هكذا كان إهداء الكاتب الكبير إبراهيم عيسى، روايته الجديدة “كل الشهور يوليو” التي صدرت منتصف شهر أكتوبر الماضي، عن دار الكرمة للنشر في 660 صفحة. الرواية تدور بداية من تحرك البكباشي يوسف صديق، لتنفيذ بداية الخطة الموضوعة، حركة 23 يوليو 1952، تحركات لا يتوقع أفراد الضباط الأحرار نجاحها، وكانوا مستعدين بالخطة البديلة التي كانت تعتمد على التخلص من السياسيين والمسؤولين البارزين. لم يتوقعوا جميعًا السهولة التي وقعت بها الدولة في أيديهم؛ بداية من قيادة الجيش والوزارات حتى الملك فاروق نفسه.. وكل أمور الدولة.

يجيد إبراهيم عيسى، كعادته الكتابة التاريخية، فبعد أن قدم خلال السنوات الماضية الملحمة الكبيرة “القتلة الأوائل” بجزأيها: “رحلة الدم” ثم “حروب الرحماء”، وكان الجميع في انتظار الجزء الثالث؛ لكن غيَّر عيسى خطته وقدم رواية تاريخية أخرى، ليحكي لنا بطريقة درامية مثيرة وصورة سينمائية جذابة ما حدث ليلة 23 يوليو، وكعادته أكد في بداية الرواية أن ( كل شخصيات هذه الرواية حقيقية، وجميع أحداثها تستند إلى عشرات المراجع والمصادر، مع مذكرات ويوميات ووثائق ودراسات وشهادات مسجلة وسجلات رسمية وكتب ودوريات)، هنا تدرك أن الحدث هو البطل الرئيسي في الرواية، وهو الأسلوب الذي اعتمده عيسى في “القتلة الأوائل”؛ أن يكون الحدث هو الخط الرئيسي للرواية، وهو أسلوب روائي صعب للغاية، ويحتاج إلى جهد كبير في الكتابة والبحث.

نرشح لك: 12 تصريحا لـ إبراهيم عيسى.. عن “كل الشهور يوليو”


بكل تأكيد، هناك فارق كبير بين الكتابة الروائية التاريخية والكتابة الروائية الأخرى، وكان الاعتماد الأكثر في الكثير من الروايات أن يكون الحدث التاريخي أحد الأحداث المهمة داخل الرواية، والذي يُغيِّر حياة بطل العمل الروائي، وهناك العديد من الأعمال الروائية والسينمائية التي كان حدث ثورة 23 يوليو 1952 هو أحد الأحداث المهمة فيها، والذي كان كتابته في وقت من الأوقات إرضاء للاتجاه السياسي في عصر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ومنذ عهد السادات بدأت الكتابة النقدية لأهداف الثورة ورجالها؛ حتى أصبحت الثورة ما بين محب كبير ورافض وكاره لها. وتمر السنوات وأصبح الحدث الأهم في تاريخ مصر الحديث بين المحب والكاره؛ لهذا كان مهمًّا أن يُفكر إبراهيم عيسى في كتابة روايته الرائعة “كل الشهور يوليو”؛ فهو يضع الحقيقة كلها بين يديك، لا يريدك تنجذب لطرف ضد طرف ولا يحرضك على شيء داخل الأحداث الكثيرة والمهمة؛ ولكن التحريض الرئيسي له أن تعلم حقيقة ما حدث وتضع أنت رأيك الخاص بين موافقة أو رفض.

هو يستفز كل الأسئلة الشائكة التي كانت تدور في عقلك ويطيح بكل ما كنت تعرفه من معلومات كنت تؤمن أنها هي الحقائق، فيعود وينظم لك هذه المعلومات وهذه الحقائق، فترى الصورة بطريقة مختلفة وتنظر إلى الأمر بعين جديدة، ومن بعدها تستطيع أن تكوِّن الرأي التي تقتنع به.

الرواية مليئة بالكثير من الشخصيات؛ من مجلس قيادة الثورة بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر، إلى قيادات الوفد برئاسة مصطفى النحاس وفؤاد سراج الدين، وجماعة الإخوان بقيادة حسن الهضيبي وعبد الرحمن السندي، بخلاف الملك فاروق وزوجته ناريمان وشقيقاته، وأيضًا سليمان حافظ وعبد الرازق السنهوري؛ ولكن مع كل هذه الشخصيات الكثيرة استطاع عيسى أن يضبط أحداث الرواية وأن لا تشعر بالملل في أي من فصولها؛ ولكنه يضيف تعليقات كثيرة مضحكة، أهمها خناقة الصاغ صلاح سالم، مع نعيمة عاكف.

ستعرف خلال قراءتك لماذا كانت تحركات 23 يوليو سهلة للغاية في وصول الضباط إلى كل ما يريدونه؛ حتى إنهم بعد يوم من نجاحهم اكتشفوا أنهم وصلوا إلى أكثر من ذلك، وكانوا لا يعرفون ما خطواتهم اللاحقة، ولم تكن مطلقًا منها رحيل الملك فاروق أو زوال الملكية وإلغاء الدستور وحل الأحزاب، تحركات نجحت بلا خطة محددة؛ حتى إنهم جميعًا كانوا غير مقتنعين برئاسة اللواء محمد نجيب لحركتهم، وأن القائد الحقيقي لكل خطوة وقرار هو البكباشي جمال عبد الناصر؛ ولكن السن هو الفارق الوحيد أمامهم، لهذا سوف تفهم لماذا أطاح مجلس القيادة به في 1954.

يدخل بنا إبراهيم عيسى، لأول مرة، في حياة الملك فاروق الذي حتى الآن وبعد 68 عامًا من يوليو 52، لا تزال فترة توليه عرش مصر غامضة، وفترة وجوده في مدينة كابري الإيطالية التي اختارها منفى له بعد قرار الضباط رحيله عن مصر، لا أحد يعرف عنها شيئًا. وبمجرد أن تعرف كيف وافق الملك بكل سهولة على قرار إزاحته عن عرش مصر وقرار رحيله، تدرك أنه كان رجلًا وطنيًّا يعرف أنه مخطئ وله سياسات فاسدة معترف بها، ولكنه لا يريد إراقة دماء أبناء وطنه والاشتباك بين القوات الموالية له مع قوات الجيش التي حاصرته في قصر التين بالإسكندرية، وتسأل نفسك السؤال الأهم: هل لو كان الملك في القاهرة وقت وقوع هذه التحركات للضباط الأحرار، هل كانت تنجح بكل هذه السهولة، لهذا كان اسم الرواية “كل الشهور يوليو” موفقًا جدًّا من جانب الكاتب الكبير إبراهيم عيسى.

تقرأ في سرد روائي بديع علاقة ثورة يوليو والسفير الأمريكي وقتها جيفرسون كافيري، الذي كان له دور مهم في نجاح الثورة من علاقته بأحد أفرادها، وهو علي صبري، وتعهد السفير للملك فاروق بحماية حياته، ومن ثمَّ دور كافيري في إصدار قانون تحديد الملكية الزراعية. أما عن جماعة الإخوان المسلمين فنرى من عيسى عرضًا مبسطًا لما نراه حتى اليوم، فبعد قيام الثورة وإزاحة السياسيين المتهمين بالفساد لا تزال الجماعة من بدايتها عند طلبات تشريع الحجاب ومنع السينما والمسرح؛ ولكن كعادة عبد الناصر استطاع أن يأخذ منهم ما يريد ويقلبها ضد بعضهم؛ بسبب سوء العلاقة بين الهضيبي والسندي، ويقدم لنا عيسى ما حدث في مصنع كفر الدوار في أغسطس 1952 بعد أقل من شهر من قيام الضباط بتحركاتهم، وكيف كان قرار إعدام مصطفى خميس وعبد الرحمن البقري.

رواية “كل الشهور يوليو” لا تزيد وقائعها عن شهرَين من تحركات يوم 23 يوليو؛ ولكن هي مليئة بتاريخ هذا البلد وترى ما تكرر وما تخاف ان يتكرر.

نرشح لك: شاهد.. برومو الرواية الجديدة لـ إبراهيم عيسى