كتاب المواصلات.. لكاتب يعيش داخل "فايل وورد"!

هالة منير بدير

بالرغم أن الهدف الأساسي لكتاب المواصلات -الذي صدر حديثاً لعمر طاهر عن دار الكرمة للنشر- هو مشاركة القارىء طريقه في وسائل المواصلات ومنحه الونس والتسلية، إلَّا أن كتابًا لصانع النوستالجيا الأول يستلزم توفير مناخ معين للقراءة، جو هادىء، ضوء خافت، موسيقى رائقة، وعزلة تامة عن أي مؤثر خارجي يعطل رحلة الإبحار أو الطيران بآلة الزمن التي صنعها طاهر..

جاء الإهداء في بداية الكتاب فريدًا من نوعه، فقد قدَّمه لرفقائه في المواصلات من الكتب وأصوات المطربين والشيوخ، فجاء الاختيار ذكياً بأن كانت أولى حكاياته عن الثمانينات، وهي الساحة التي يجيد فيها طاهر الكتابة، كما فعل في رائعته “إذاعة الأغاني”..

نرشح لك: عمر طاهر.. أن تعيش لتكتب

فسر لي عمر طاهر لماذا لاأزال أحفظ حتى الآن مفردات الكوبليه الأول من معظم الأغاني، فالذاكرة البصرية تلعب دوراً في ذلك، كما حدث في أغنية “غريب الدار” التي عرفت اسمها منه، فجاء استدعاؤه للأغنية من ذاكرته كما استدعيها أنا تماماً كل مرة، كلمات دافئة حانية، وصوت هادىء، وملابس الراقصات التي توحي بأنهن خرجن من عمل تاريخي، بأقمشة حريرية ملونة ورقص عثماني أو أندلسي لا أدري، وعبارة “يالالالا لالي” ..

يستدعي الموقف بذاكرة الزمان والمكان، بذكرى سمعية وبصرية، عمر طاهر لا يحكي حكاياته الشخصية وإنما يحكي حكايات جيل بأكمله، تَشَارك نفس الواقع ونفس الأحلام، يسمع أولى كلمات الأغنية فسرعان ما تعطيه ومضة ليقص أجمل قصصه، تمضي أمامه ملاحظة عابرة فلا يتركها ترحل إلا وقد نسج حكاية بديعة، حكايته الشخصية التي قد لا تزيد مدتها عن ثلاث دقائق يستطيع أن يسردها عليك كرواية تمتد لسنين من خلال حيوات أبطال وفناين رحلوا، يصطاد اللحظة ليكتب عنها مقال، ولا يشارك ذكرياته مع الآخرين وإنما يدّخرها لتخرج لنا في تحفة أدبية جديدة..

فقط لي ملاحظتان:

– شغل الكتاب عشر حكايات كانت الخلفية الغنائية فيها بطلة، كنت أتمنى أن يدخرها طاهر لتكون قواماً لجزءٍ ثانٍ من كتاب “إذاعة الأغاني”، فأذن عمر طاهر الموسيقية وحسه الأدبي المرهف، يستطيع أن يصنع نسخة بديعة جديدة من فن النوستالجيا.

-أمَّا هذه الملاحظة قد يقرّها البعض أو لا، فمسألة نشر القصص أو المقالات سواء على صفحات الجرائد أو المواقع الإلكترونية أو حتى كمنشورات على الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تجميعها في كتاب لاحقاً؛ قد لا يلقى إعجاب كثير من القراء..

بعض مما في كتاب المواصلات:

-“ع المدينة” : مصائب قوم عند قوم فوائد.

-“شعر أبيض” : الشعر الأبيض الذي يغزو رأس الإنسان ليذكره بعمره فيما أفناه، كمراقب لجنة الامتحان الذي ينذر بالباقي من الوقت.

-“بين قوسين” : ثنائية الإنسانية والاحترافية (الفنان محمد فوزي، والكابتن محمد لطيف).

-“خليكوا شاهدين” : التكريم ليس منحاً للجوائز والشهادات، وإنما ميراث يبقى في الوجدان بعد رحيل صاحبه..

-“غنوة” : تفاصيل الحياة اليومية التي أنجبت غنوة مثل “زي الهوا”.

-“مروا أسفل شرفتي” : يشرح لنا طاهر كيف أن الأبوة “مشروع” على غرار الأمومة “غريزة”.

-“كل الناس بيقولوا يارب” : يصحح نظرية أن الشعب المصري (متدين) بطبعه، إلى أن الشعب (مؤمن) بطبعه، معددًا المعجزات التي يؤمن بها.

-“عماد وعمر” : ثنائية الأفراح والأحزان (عماد عبد الحليم، وعمر فتحي).

-“ما بين نسختين من جمعة الشوان” : كيف ترى كل من عين الطفل وعين الصحفي كل من النسختين.

-“ثناء وسناء” : ثنائية الأمومة (في الوالدة وفي رئيسة العمل).

-“الحكيم والدليل والرجل الطيب” : كيف لعب القدر دوره في وضع خريج كلية التجارة على طريق الصحافة.

-“مهما الأيام تعمل فينا” : قانون النسبية الذي يحكم كل مناحي حياتنا.

-“ماتفوتنيش أنا وحدي” : عن الضمير وحفنة من الحِكَم.

-“سألت نفسي كثير” : ملاحظات عديدة ومفارقات أكثر.

-“قبل النوم بـ 20 دقيقة” : يشاركنا الثلاثة مراحل التي يمر بها قبل نومه؛ (الخيال والواقع والتأنيب).

-“تسريبات مكالمات صديقي السرية” : سأتركها للقارىء ليكتشف بنفسه كارثية تسريب مكالماتنا كلنا!..

باختصار عمر طاهر يستطيع من مشهد سقوط “القداحة/ الولاعة” أن يقدم لنا جرعة مكثفة من الأقوال الأجنبية المأثورة، إذا انقطعت عليه الكهرباء في الأسانسير لمدة عشر دقائق؛ فسيرصد لك عشرات من فترات “الانتظار” الأخرى، سيحدثنا عن سُنَّة الحياة من خلال قصة كلب في الشارع، وإذا دخل السينما لمشاهدة فيلم رعب سيؤرقنا برعب أن نعيش حياتنا في نفس المشهد، وإذا وقف في المطبخ ليعد فنجان قهوة فاعلم أنك ستدخل معه في دوامة متصلة من الأفكار والأمنيات والهواجس والأحلام والمسلَّمات واكتشافاته الخاصة..

اقتباسات”:

(يخاف الواحد أن يكبر لأسباب كثيرة، في مقدمتها شعوره أنه لم يفعل ما يريده بالضبط، ولكن تورط في أشياء كثيرة تشبهه، ينتظر اللحظة التي ستكون فيها السعادة خرافية، ويود أن تأتيه مبكرًا بحيث يكون متاحًا له أن يفرح بها بجنون يليق بسن صغيرة).

(الانتظار قد يُهْلِك الواحد إذا تجول فيه بـ “الضجر”، وقد يكون هدهدة رائقة، وشرطها الوحيد أمل فيما ننتظر).