طارق الشناوي يكتب: مظاهرة حب فى حضرة الأستاذ

نقلا عن المصري اليوم

قبل رحيل الجسد كان يقف على القمة منفردا ومتفردا بالتكريم الذى ناله من مهرجان عالمى عريق، حيث منحته إدارة مهرجان برلين كاميرا (البرينالة)، فى سابقة هى الأولى، وظلت هذه اللقطة الثابتة تصاحبه، وهو ممسك الكاميرا كأول ناقد يحصل عليها فى تاريخ المهرجان، وكأنها تتويج لمشوار حافل تجاوز خمسة عقود من الزمان، وبالمناسبة غير صحيح أنه لم ينل تكريما فى بلده، «سمير» كُرم فى مصر، فكان أول ناقد مصرى قبل أكثر من عشر سنوات ينال جائزة الدولة للتفوق، فى اعتراف نادر من الدولة بأن النقد السينمائى يستحق تقييما وتقديرا، بالتأكيد عطاء «سمير» كان يتيح له أن يرشح لجائزة الدولة التقديرية، وهى أعلى من جائزة التفوق، وأتصور أن نقابة السينمائيين كانت تفكر جديا فى ذلك، لولا أن إيقاع القدر كان أسرع.

لم تكن هذه هى فقط مشاهد الذروة (الماستر سين) فى مسيرة سمير، ما رأيناه، مساء أمس، فى سرادق العزاء، كان بمثابة ذروة أخرى وتتويج له إشعاع خاص، إنه الحب الذى عبرت عنه كل الأجيال من النقاد والصحفيين والفنانين الذى تواجدوا فى السرادق، لا أقول للعزاء ولكن، وكل بطريقته، أردنا التأكيد على أن سمير لايزال حاضرا، كانت روحه المهيمنة على السرادق فى (عمر مكرم) تؤكد أنه لايزال بيننا.

من الذى جمع بين كل الأطياف الفكرية والسياسية؟ إنه وبلا شك الحب، ولكن العمق الذى يتكئ عليه هو التقدير، أعلم بحكم تواجدى فى الدائرة أن عددا ممن حضروا العزاء اختلفوا كثيرا وليس فقط قليلا مع سمير، فى عدد من آرائه، أنا شخصيا كثيرا ما عبرت بالقول والكتابة عن تلك الاختلافات، بل وفى المواجهة أيضا، إلا أن ما تبقى هو الحب، كثير من الرسائل المتبادلة بيننا على التليفون، والتى أحتفظ بها، تؤكد ذلك، ولكن لأنها تظل فى عداد الرسائل الشخصية فسوف أكتفى بأن تظل فى قلبى وليست للنشر.

كثيرا ما أحاول أن أتذكر المرات التى التقينا فيها على الطائرة مثلا، حيث يصبح أمامنا متسع من الوقت لتبادل الآراء، أجد أن رفيقنا الثالث هو الكتاب، سمير قارئ جيد جدا، أظنه كان يتمثل مقولة الأستاذ كامل زهيرى، وهو بالمناسبة أحد أهم الكتاب الذين ارتبط بهم سمير، وأعتبره فى أكثر من مقال فى مكانة الأستاذ، لزهيرى مقولة شهيرة (اقرأ كأنك تعيش أبدا واكتب كأنك تموت غدا)، أتصور أن سمير فريد كان يلتزم بالجزء الأول فى حكمة الأستاذ ويقرأ فعلا كأنه يعيش أبدا، وهى قراءة موسوعية ولا يفوته مقال فى جريدة، مهما كانت محدودية انتشارها، تناول فيلما أو ظاهرة فنية لتجده وقد قرأه، كما أنه وبنفس النهم قفز فوق هذا السور وقرأ كثيرا فى الأدب والسياسة، ومن الممكن أن يسارع بالتليفون أو برسالة للتنبيه لمعلومة، ولا يمتنع أبدا عن أن يرحب على الجانب الآخر بأى معلومة تصل إليه، وأظن أن كل من حضر تذكر كلمة كتبت عنه فى مقال لسمير، وهكذا وقف على باب السرادق مئات يترقبون المشاركة فى مظاهرة الحب، ولهذا وبإيقاع سريع لم يزد زمن قراءة القرآن عن خمس دقائق وبعدها يصدق الشيخ حتى يسمح لآخرين، برغم أن المقرئ لم يكن يتمتع بصوت جميل، أغلبنا لم نكن نريد مغادرة السرادق لأننا حرصنا على أن نظل أكبر فترة ممكنة فى حضرة الأستاذ، الكل كان يعزى نفسه قبل أن يعزى ويصافح ابنيه محمد وحسن على باب الجامع، وبعد ذلك حرصت على أن أعزى الصديقين الأقرب إلى سمير، الناقدين الكبيرين كمال رمزى وعلى أبوشادى، الثلاثى يشكلون قوة ضاربة فى الحياة السينمائية، ولم يسلم الأمر أيضا من خلافات فى الرؤية، خاصة بين سمير وعلى، ورغم ذلك ستجد أن الحب هو الأبقى. البقاء للكلمة، سمير لم يكن يرحب كثيرا باللقاءات التليفزيونية، ولهذا فإن تراثه المكتوب هو الذى سنحتفظ به للأجيال القادمة، كتابات سمير فى (المصرى اليوم) فقط تصل إلى نحو 2000 مقالة لم تترك موقفا سينمائيا أو أدبيا أو سياسيا إلا وهناك رأى ورؤية، وهى تستحق منا- زملائى وأنا- تحليلا يليق بالذى كنا وسنظل فى حضرته!!.